الروائي الفلسطيني .. إميل حبيبي

الروائي الفلسطيني .. إميل حبيبي

الروائي الفلسطيني  .. إميل حبيبي

إميل حبيبي .. الضحك فلسفةً للمقاومة وسبيلاً لتجاوز الراهن والمعيش

رغم حلكة الظروف التي نشأ وترعرع في أجوائها إلا أن الروائي الفلسطيني إميل حبيبي ، الذي يصادف اليوم ذكرى وفاته ، استطاع أن يسلك في سبل الرواية العربية مسلكاَ مغايراً للمتداول والسائد حيث ذهب باتجاه استلهام الموروث إلى جانب جرأة في التعامل مع اللغة ، كما كان يلجأ ـ عادة ـ إلى استخدام الرمز والكناية والإشارة من بعيد نتيجة للظروف ذاتها. وعلى خلفية ميوله السياسية اليسارية تأثر بالأدباء الروس ، كما تأثر بالمقامات التي علمته التلاعب بالألفاظ ، وقد شكل حبيبي نموذجاً لمعاناة المثقف السياسي. 


استطاع حبيبي أن يجعل من الضحك فلسفة مقاومة ، ومن (النكتـة) منشوراً سرّياً يتداوله الأطفال ـ قبل الكبار ـ وتلك مهمّة شاقة لن يستطيع القيام بها إلا أديب ذو أصالة ذاتية وموضوعية ، وذو عبقرية متميزة في اصطياد الفرح من غابات الحزن المظلمة التي يتيه فيها الإنسان العربي بعامة ، والإنسان الفلسطيني بخاصة. 


يمتاز عطاؤه الأدبيّ في ترسيخه أسلوباً جديداً في الأدب الفلسطيني هو الأسلوب الساخر. وتعدُّ هذه السخرية الروح المهيمنة على نسيج رواياته ـ مند بدايتها إلى نهاياتها ـ تنبثق فيها المفارقات المتعددة المتنوعة: إذ تتكور لديه الفكاهة بالسخرية في أسلوب كوميدي يُحْدًث انقلاباً في الدلالة ، فتغدو رواياته مرصّعة بسخرية مشعة تقفز في حريةْ وانطلاقْ يوحي ـ للوهلة الأولى ـ بعبثيتها وعشوائيتها ، لكنها سرعان ما تكشف عن اتزانها وارتباطها بالموقف الروائي العام ارتباطاً وثيقاً. 


ولا يستخدم حبيبي السخرية من باب النقد والتقويم فقط ، بل بوصفها قناعاً يحتمي به من وطأة التجربة المعاصرة التي حاقت بشعبه ، ليقاوم آلامها وفواجعها. كان صوتاً متفرداً في استخدام الأساليب الهزلية الساخرة في الرواية العربية المعاصرة. 


ولد حبيبي في حيفا عام 1921 ، وأتمّ دراسته الثانوية فيها وفي عكا ، واشتغل عامل بناء زمناً ، ثم انتقل للعمل مذيعاً لدى إذاعة القدس ، واستقال منها ليعمل موظفاً في معسكرات جيش الانتداب ، ثم محرراً في جريدة (الاتحاد). أصدر مجلة (المهماز) في حيفا عام 1946 ، وناضل ضد الانتداب البريطاني ، ثم ضد ممارسات إسرائيل بعد قيامها. واختاره المواطنون العرب ضمن من يمثلونهم في (الكنيست) ، وبقي عضواً فيه حتى عام 1972 حين قدم استقالته ليتفرغ للكتابة. 


وفي عام 1990 ، أهدته منظمة التحرير الفلسطينية (وسام القدس) ، وهو أرفع وسام فلسطيني. وفي عام 1992 منحته إسرائيل (جائزة الإبداع) ، فارتفعت أصوات تطالبه برفضها ، لكنه قبل الجائزة ، ثم أعلن تبرعه بقيمتها المادية لجمعية (المقاصد الإسلامية) التي تتولى علاج جرحى الانتفاضة. وفي العام الأخير من حياته ، انشغل في إصدار مجلة أدبية أسماها (مشارف). رحل في الثاني من أيار عام 1996 ، وأوصى أن تُكتب على قبره هذه الكلمات: (باقْ في حيفا). 


نشر حبيبي عمله الأول (سداسية الأيام الستة) عام 1968 ، ومن بعد هذا العمل ظهرت له الأعمال: (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل) ، 1974, (لكع بن لكع) ، رواية مسرحية ، 1980 ، ثم (اخطية) 1985 ، وأخيراً (خرافية سرايا بنت الغول) 1991 . تلك الأعمال القليلة جعلت صاحبها أحد أهم المبدعين العرب. ولفهم أعمال الراحل يجب أن الأخذ بالاعتبار أنه يكتب من داخل الزنزانة الإسرائيلية ، وهو ، من ثَمّ ، يفتقد القدر الكافي من الحرية ليقول ـ مباشرة ـ ما يريد ، وكان عليه أن يلجأ إلى الرمز والكناية والإيماءة والإشارة من بعيد. 


في روايته الفذة (المتشائل) ، لم يسلك إميل أيّا من السبل المطروقة في الرواية العربية أو العالمية ، بل أسَّس إبداعاً جديداً يقوم على استلهام التراث الفلسطيني والعربي ، وحُسن استخدام اللغة والجرأة في التعامل معها ، والاستعانة بالأمثال والحكايات ، ثم اللجوء إلى السخرية أو الفكاهة السوداء. 


كان جوهر تلك الرواية هو وصول بطلها (سعيد) إلى حتمية صيغة الفداء والمقاومة المسلحة. هو في (الكتاب الأول) باحث عن (التكيف) ، ملتمس للأمن والأمان ، مستعدّ لتقديم كل التنازلات التي تطلبها منه الدولة العنصرية الباطشة. ثم يقف ـ في نهاية (الكتاب الثاني) ـ ممزقاً بازدواجيته ، وحمل ابنه السلاح ضد الدولة ولاذ بكهف بعيد. 


وفي (الكتاب الثالث) ، ينتهي الأمر بسعيد إلى الجلوس على قمة العمود ، يرفض النزول عنه. صحيح أنه تغير ، وأيقن أن تنازلاته كلها لم تُجْدًه شيئاً ، لكنه عاجز عن النزول إلى الناس والمشاركة في نضالهم. ولا يجد أمامه سوى الاستنجاد بالكائن الفضائي الذي يستجيب له ، فيحمله إلى حيث أَلْقت: الجنون أو الموت. وتكون كلمة (يُعاد الثانية) خير ما يقال في وداع (أبي النحس): لقد استراح وأراح، 


صحيفة الدستور الأردنية



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى