فصول من سيرة مخيم اليرموك (12)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (12)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (12)

كانت المراكز الثقافية وبالتحديد مركز الشهيد (غسان كنفاني) الذي أسهم في تأسيسه عدد من الكتاب والمثقفين الفلسطينيين والسوريين، و(المنتدى الثقافي الديمقراطي) بأقسامه المختلفة (المكتبة – نادي السينما – منتدى الحوار) ومركز الشهيد (ماجد أبو شرار) تقوم بأنشطة ثقافية متنوعة تستضيف فيها شعراء وكتاباً فلسطينيين وسوريين ومن أقطار عربية أخرى، ومازلت أذكر تلك الأمسية الشعرية الكبيرة والضخمة للشاعر الكبير مظفر النواب في سينما النجوم التي امتلأت عن آخرها وحضرها فئات متعددة من الناس؛ سياسيين ومثقفين بل حتى ناس عاديين ... وكان من ضيوف مركز ماجد أبو شرار الدائمين الشاعر شوقي البغدادي والشاعر فواز عيد والشاعر خالد أبو خالد والكاتب حمد موعد وبشار إبراهيم وزيناتي قدسية وسواهم، ومن الذين استضافهم المنتدى الثقافي الديمقراطي كان الشاعر الكبير ممدوح عدوان والشاعر نزيه أبو عفش، كما نوقش كتاب (آيات شيطانية) لسلمان رشدي مبكراً في المنتدى الديمقراطي من طرف د.صادق جلال العظم ود.الطيب تيزيني ود.أحمد برقاوي، ودار حوله نقاش طويل وعميق، كذلك استضاف المخيم مطلع التسعينيات القائمين على (مسلسل أخوة التراب) الذي كتبه حسن.م. يوسف وأخرجه نجدت أنزور وأبطاله أيمن زيدان وسوزان نجم الدين وفارس الحلو، وفِي مركز كنفاني كان المسرحي القدير سعد الله ونوس والروائي الكبير عبد الرحمن منيف والناقد د.عبد الرزاق عيد والكثير الكثير من أعلام الثقافة في سورية والعالم العربي، ولك أن تتخيل حالة الوعي المتقدمة لدى أبناء اللاجئين في مخيم صغير يتغذى على فكر هؤلاء المبدعين ونتاجهم على اختلاف تياراتهم السياسية وتوجهاتهم الفكرية، ولك أن تعرف بعد ذلك كيف تكوّن شباب المخيم وتربّى بين هذه التيارات الثقافية المتعددة المشارب وأعني بالشباب كل من هم في المرحلة الثانوية والجامعية بل حتى البعض الذي لم يكمل دراسته الثانوية وتوقف عند المرحلة الإعدادية واكتفى بالتعليم المهني.. الكل يناقش ويحلل مستجدات الأحداث الراهنة في كل العالم شرقه وغربه، وكم كان يستمر الجدل والحوار مع الشخصيات المستضافة في أي مركز من تلك المراكز لساعات طويلة بعد انتهاء الأمسية الثقافية وفِي كثير من الأحيان يمتد إلى  بيوت الأصدقاء في المخيم. وما زلت أذكر حالات الاستغراب التي تبدو على وجه الضيوف من كثرة الأسئلة والتحليل والنقد، وقد صرّح مرة ممدوح عدوان بعد جلسة نقدية طويلة: بشرفي هذا النقاش ما رأيت مثله في أمسياتي بجامعة دمشق أو اتحاد الكتاب العرب.. 

وأذكر كذلك حين أطلّ على ناس المخيم عزمي بشارة مطلع التسعينيات في أول لقاء له مع تجمّع فلسطيني وكان يظن أن لديه حلاً سحرياً للصراع .. فنوقش وارتبك ولم يعد مرة أخرى للمخيم... ومثل ذلك كثير ... لقد تكوّن فكر معظم ذلك الجيل من هذه اللقاءات المتميزة، وكان الاختلاف مشروعاً لكنه غير حاد وغير إقصائي فلا يتردد مثلاً إلياس شوفاني أن يعرض أفكاره في مركز غسان كنفاني أو رشاد أبو شاور أو حمد موعد في مركز ماجد أبو شرار... كان المخيم ينمو فكرياً ويتغذى من جميع التيارات ويقبل الجميع حتى مع مطلع الألفين قبِلَ المخيم دخول حماس والجهاد الإسلامي على جسده الفكري وانخرط بعض أبنائه في مؤسساتهما الثقافية ذات الطابع الديني الاجتماعي.. وكان (مركز القدس الثقافي) التابع لحركة الجهاد الإسلامي ينظم ندوة شهرية وازنة لأحد المفكرين العرب بحضور نخب ثقافية وسياسية من مشارب مختلفة. 

أيضاً كان في المخيم مراكز تُعدُّ مستقلة -إلى حد ما- مثل (المركز الفلسطيني للثقافة والفنون) الذي أسسه الفنان الفلسطيني غسان السعدي وكان من أهم أنشطته مهرجان سنوي يقام خلال شهر رمضان ويستمر لنحو عشرين يوماً، ويقيم معرضاً أو معرضين وأمسيات أدبية وعروض أفلام وفعاليات موسيقية ملتزمة، إضافة لدورات مختلفة في مجالات إبداعية عدة. ولا يمكن – لاحقاً - إغفال مركز (جفرا) الشبابي ودوره الرائد في تدريب وتطوير عدد من الشباب الفلسطيني في المخيم أصحاب المواهب الفنية (تمثيل – إخراج – تصوير – كتابة صحافية وإبداعية)..(يتبع)



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى