فصول من سيرة مخيم اليرموك (18)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (18)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (18)

د. ثائر عودة

يوسف سامي اليوسف (ولد في لوبية 1938) ناقد ومفكر من طراز فريد، يختلف عن د.محمود موعد في جانب التأثير العام في المشهد الثقافي في المخيم، وأنا لا أقارن بينهما بطبيعة الحال فلكل منهما فرادته ولكن الموعد كان مثقف علاقات عامة لا يتوانى عن تقديم خدماته العلمية والتربوية –خاصة- لجميع أبناء شعبه، أما اليوسف فكان صاحب خلوه اغترابية تضم مجموعة ضيّقة من الكتاب (صفوة الصفوة ربما) تجتمع رأس كل شهر في بيته القديم الذي تظلله شجرة نخيل تمد أذرعها خلف الجدار الخارجي للبيت وتغطي جزءاً من شارع الجاعونة الضيق أصلاً على الرغم من أن الناس لا ترى إلا أجزاءها الخارجية وهذه حال صاحب الشجرة فقد كان المثقفون لا يَرَوْن من اليوسف إلا نتاجه وثمره الذي طبق الآفاق متجاوزاً حدود المخيم وسورية إلى العواصم العربية.

لكنه كان ضنين الإطلالات الإعلامية، محدود العلاقات تشعر إن استقبلك في بيته باقتضاب كلامه وحدية أحكامه، أذكر ما قاله لبعض أصدقائنا من الشعراء الشباب الذين أصروا على لقائه في بيته وإسماعه بعض كتاباتهم ليكتفي بالقول: ينقصها (للقصيدة) ملعقة من ماء القلب.. أو قلعاط (كلمة لوبانية قبيحة) أو بأن ينصح أحدهم بقوله: أنت ماذا تعمل في الحياة فيجيب الشاب: نجار، فيقول له: خليك بالنجارة واتركك من الشعر.. أو لآخر أنت تستسهل كتابة القصة والرواية وتظنها مثل قضم البسكويت... وهكذا لم يكن ليجامل أو يساوم فيما يتعلق بالأدب والكتابة.. فكان معظم جيل الشباب من الكتّاب بالمخيم يكتبون وأبو الوليد ماثل أمامهم شرطي الأدب المرعب.. لم يسلم من أحكامه القاطعة كبار الكتاب القدامى والمعاصرين في الغرب والشرق..

كان يوسف سامي اليوسف يرى تأثيره في الجيل من خلال ما يكتب لا ما يتحدث به، ومع هذا لم يكن ليتردد في تلبية دعوة أي مركز ثقافي في المخيم ليقدم ما لديه وخاصة إذا ما تعلق الأمر بفلسطين والثقافة الوطنية، فقد كتب وأفاض عن الأدب الفلسطيني شعره ونثره، كتب عن كنفاني وإميل حبيبي وسميرة عزام وطوقان وأبو سلمى ومحمود درويش ومعين بسيسو وفواز عيد ورشاد أبو شاور ويحيى يخلف وحسن حميد وناجي العلي وغيرهم وأذكر تلك السلسلة التي نشرها منتصف الثمانينيات في مجلة (العربي) الكويتية في أجزاء متعددة تحت عنوان أربعون عاماً على الأدب الفلسطيني... إضافة إلى كتابه الممتع (تلك الأيام) في أربعة أجزاء، وهو آخر ما كتبه قبل اغتيال المخيم 2012 ووفاته في السنة التالية في مخيم البداوي- طرابلس لبنان.. وهو كتاب توثيقي في مستوى من مستوياته جمع بين السيرة الذاتية والغيرية وتحدث فيه عن أحداث نكبة 1948 حيث كان عمره حوالي عشر سنوات وتحدث عن سقوط بلدته الجميلة لوبية (عروس طبرية) بالإضافة إلى تشريح عميق للصهيونية وعلاقاتها بالعرب والغرب بأسلوب ممتع وعميق، وقراءة مختلفة للتاريخ الفلسطيني القديم والمعاصر... وفي الواقع فإن هذا الكتاب يكتظُّ بالأفكار العميقة وفيه قدر غير يسير من الآراء النقدية المهمة المبثوثة هنا وهناك.. وفيه إطلالة سريعة على الشعر في سورية منذ بداية القرن العشرين حتى السبعينيات من ذلك القرن.. وقد جاء الكتاب وخاصة في جزئيه الأخيرين كما أعلن اليوسف: "استبطاناً لسريرة الذات.. وطافحاً بالأفكار الوجدانية، وثيقة الصلة بالحياة والتجربة الحيّة.. وتنقيباً في لُجج النفس والشعور.. وما يحتويه الوجدان من توترات محتدمة، وتساؤلات عارمة ومتباينة"... (يتبع)



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى