فصول من سيرة مخيم اليرموك (13)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (13)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (13)

د. ثائر عودة

ولم يكن للتطرف الفكري الشيوعي أو الديني مكان واسع في ثقافة المخيم وفكره، فقد انقرض مبكرا ً فكر الإسلام السياسي (الإخوان وحزب التحرير) من المخيم في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، وكذلك التطرّف الشيوعي مع حزب العمل ورابطة الشغل في الفترة ذاتها تقريباً، ولأسباب كثيرة يأتي في مقدمتها انزياح الخطين عن بوصلة فلسطين التي لم تعد القضية المركزية لأي من تلك الأطراف، يُضاف إلى ذلك سطوة القبضة الأمنية المخابراتية التي زجّت بمعظم هؤلاء بالمعتقلات بغض النظر عن انتماءات أي منهم، أما باقي النتاج الفكري والأدبي اليساري والقومي والاشتراكي والإسلامي الوسطي فقد قبله الجسد الفكري في المخيم وحاوره والتقى معه في قواسم كثيرة: فلسطين تجمعنا.. عداؤنا للصهيونية يجمعنا.. النطبيع مرفوض.. الخلاص من الاحتلال والتحرر لا خلاف عليه والنقاش بعد ذلك في الوسائل.. 

لذلك لم يعرف فكر المخيم التطرّف الحاد يميناً أو يساراً ولم يتردد معظم مثقفي الفصائل غير اليسارية بالكتابة في مجلة الجهاد أو الأمة وسواهما، كما أنه في أي لقاء ثقافي في المخيم مع أي مثقف ومبدع من مثل مظفر النواب وممدوح عدوان وشوقي البغدادي أو سعد الله ونوس وعبد الرحمن منيف أو صادق جلال العظم والطيب تيزيني أو إلياس شوفاني أو أي أديب آخر كنت تجد القومي والليبرالي ومن يشرب الخمر ومن يترك الندوة ليذهب للصلاة ويعود.. وتجد بين الحضور الشباب والشابات المتعددي الاتجاهات فكراً وشكلاً (مَن ترتدي الحجاب ومن ترتدي الجينز) وتجد من يذهب إلى مركز الديمقراطية أو الشعبية يذهب في اليوم التالي لمركز ماجد أبو شرار ومن ينشر قصة قصيرة أو قصيدة في مجلة الهدف أو مجلة الحرية قد ينشر غيرها في مجلة إلى الأمام أو فتح أو حتى مجلة الطلائع أو جريدة الأسبوع الأدبي أو مجلة الكاتب الفلسطيني أو مجلة الكرمل... 

صحيح أن الاصطفاف السياسي كان موجوداً في كل مكان بل حتى داخل البيت الواحد لكن هذا الاصطفاف لم يكن حاداً وخاصة بين المثقفين الذين اصطفوا جميعاً تحت مظلة واحدة هي فلسطين على الرغم مما فعلته أوسلو أول التسعينيات وتوسيعها للانقسام والاصطفاف السياسي والثقافي فاستشعر معظم مثقفي المخيم أن فلسطين التاريخية مهددة بالتلاشي مع انتشار مصطلحات جديدة من مثل: الواقعية السياسية ومرحلية الحل والقرار المستقل، وبدأ يصل إلينا مجلة جديدة اسمها (راية الاستقلال) ذات ورق مصقول وملون تطبع في بيروت أو قبرص - يشرف عليها ياسر عبد ربه على ما أظن- لكنها لم تعش طويلاً ربما بسبب ما كانت تروِّج له من أفكار، وربما بسبب التمويل المالي، وسمح هذا التجاذب الفكري بتمدد فكر حماس والجهاد الذي نادى وقتها بفلسطين من النهر إلى البحر كاملة، ولاقى هذا النداء صدى لدى أبناء المخيم الذين لم يألفوا بعد فكرة تلاشي حق العودة إلى حيفا وعكا ويافا وطبرية والجليل...(يتبع)



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى