فصول من سيرة مخيم اليرموك (19)
فصول من سيرة مخيم اليرموك (19)
د. ثائر عودة
يوسف سامي اليوسف (2)
أذكر أن الناقد يوسف سامي اليوسف قرأ لي مرة وبالصدفة مادة نقدية طويلة كتبتها عن رواية (الفلسطيني) أواخر الثمانينيات وهي الرواية الأولى للروائي والسينارست اللامع حسن سامي اليوسف (أخو يوسف اليوسف طبعاً) وكنت قد نشرتها في مجلة أدبية اسمها (النافذة) كان يرأس تحريرها صحفي عراقي يقيم في المخيم اسمه (عبد الباقي شنان) عرّفني عليه صديقي الصحفي الذكي والشاعر (المتعثر) كريم راشد (وهذه ظاهرة تجدر الإشارة إليها حيث كان يقيم في المخيم عدد كبير من المثقفين العراقيين اليساريين الهاربين من العراق وقد قبلهم الجسد الفكري في المخيم وأذكر أن أعضاء فرقة الطريق العراقية كانوا يسكنون في المخيم وأقاموا أكثر من حفلة في المنتدى الديمقراطي ومنتدى غسان كنفاني وسينما النجوم وأحياناً يجتمعون في حفلة واحدة مع الفنان سميح شقير الذي كان يسكن هو الآخر في المخيم بل إن معظم الصحفيين العراقيين كانوا يعملون في الصحف الفلسطينية وتحديداً "الحرية" و "الهدف" بحكم علاقاتهم الفكرية مع الجبهة الشعبية والديمقراطية والحزب الشيوعي الفلسطيني).
وحدثنا عبد الباقي شنان عن مشروعه الجديد وهو إصدار مجلة أدبية رصينة للكتاب العرب على غرار مجلة الآداب البيروتية أو الأقلام العراقية وطلب منا مساعدته في رفد المجلة بمواد إبداعية ونقدية دون أي مكافآت مالية ويبدو أنه أخجل الناقد يوسف اليوسف وأقنعه بالكتابة فيها وهذا ما جعله يقرأ ما كتبت فقد جمعتني معه "النافذة" في عددها الثاني أو الثالث عام 1991(غير متأكد)... وقال كلاماً طيباً عني أمام والدتي التي التقاها في بيت عمها (ياسين الكفري) الذي هو خاله أيضاً، مما جعل أمي تطير فرحاً وهي تخبرني بما قال، ودفعني ذلك إلى السعي الحثيث للقائه وكان بيته بالنسبة لي حصناً منيعاً على الرغم من قربه من بيتنا، بالإضافة إلى الهالة العظيمة التي يتمتع بها هذا الناقد بقامته الطويلة ووجهه ذي الملامح المحايدة الصارمة،
وفي أثناء لقائي معه اكتفى بالقول: أنا أمقت هذه الطريقة الأكاديمية الجامدة التي تكتب بها وأعرف أنها من تأثير أساتذتك في الجامعة، وتحديداً عبد النبي اصطيف الذي هو ليس أكثر من ببغاء يردد ما يقوله نقاد الغرب، وطالب مجتهد يحفظ النظريات النقدية الغربية.. وكذلك أستاذك الآخر نعيم اليافي الذي يحفظ الشعر دون أن يسبر بواطنه ويدعي المنهجية التكاملية في النقد بطريقة تلفيقية تجمع ما لا يُجمع (وكان د.اصطيف في ذاك الوقت يفاخر زملاءه وطلابه في آن بأنه الوحيد في الكلية الخرّيج من جامعة أكسفورد في بريطانيا، ويطلب منا في كل محاضرة أن نقرأ الكتب النقدية باللغة الإنجليزية ويعيد علينا مقولات النقاد الغربيين وكأن لا أحد يعرفهم أو قرأ لهم سواه بخلاف الدكتور حسام الخطيب الذي كان موسوعة في الأدب والنقد الغربيين دون مباهة أو استعراض. أما د.نعيم اليافي فكان يروّج كثيراً لاختراع اخترعه وقت ذاك سمّاه المنهج التكاملي في النقد).
وأكمل يوسف اليوسف: إذا بقيت تكتب بهذا الأسلوب فلن تصبح متفرداً ولن تغادر السائد وتفترق عنه وستصبح مثل أساتذتك الجامعيين، واعلم أنه لا يوجد شيء اسمه النقد الأكاديمي... وبقي كلامه ماثلاً أمامي وموجّهاً لي حتى وأنا أعد أطروحة الماجستير والدكتوراه في آداب دمشق.. وأحاول أن أجمع بين صرامة المنهج الأكاديمي والسبر العميق للنصوص الأدبية بالاستناد إلى الذائقة المتفلتة من تلك الصرامة...(يتبع)
تصدير المحتوى ك PDF