حين تحملُ الأغنية ذاكرةَ المكان
حين تحملُ الأغنية ذاكرةَ المكان
بقلم جنين القاضي
في أماكنٍ كثيرة، قد تنتهي الحكاية بانتهاء من رواها، لكن في المخيم لا تموت الحكايات بل تبقى عالقةً في تفاصيل البيوت، وفي أصوات الأمهات، وفي ما تحفظه العائلات من قصصٍ وعاداتٍ وأغانٍ. في مخيم الوحدات في الأردن، نشأت سارة محفوظ وسط هذا المناخ، فكبرت وهي ترى في ما يرويه الكبار أكثر من مجرد ذكريات عن زمنٍ مضى، بل جزءًا من فلسطين التي حملتها العائلات معها وحافظت على حضورها في تفاصيل الحياة اليومية.
وُلدت موهبة سارة في بيئةٍ كان للصوت فيها حضوره، وللأغنية مكانها الخاص. ومع مرور الوقت، بدأ صوتها يلفت الانتباه بما يحمله من دفءٍ وإحساس، حتى شبّهها البعض بصوت فيروز لما يغلب عليه من هدوءٍ ونبرةٍ قريبة من القلب. إلا أن سارة لا تسعى إلى تقليد أحد، فهي تمتلك لونها الخاص وتمنح الأغنية الشعبية والتراثية إحساسها الفريد، مستندةً إلى نشأتها العميقة داخل المخيم.
ورغم ارتباط اسمها بالغناء، فإن مسيرتها تحمل جوانب إنسانية ومهنية متعددة؛ فقد درست التمريض، واهتمت بالعمل المجتمعي، إلى جانب نشاطها كصانعة محتوى. هذا التنوع منحها قدرة فريدة على النظر إلى الحكاية من زاوية الإنسان الذي عاشها، لا من زاوية الكلمات وحدها.
وتقول سارة عن تجربتها: «نشأت في بيئة كانت الحكاية فيها تُورَّث كما يُورَّث الاسم، وبين أزقة المخيم تعلمت أن الهوية ليست كلمة تُقال، بل ذاكرة تُحفظ وتُروى وتُعاش». ومن هذا المنطلق، لم تكتفِ بأن تكون مستمعة للموروث، بل اختارت أن تكون جسراً يصل ما تركه الأجداد بما يستحق الوصول إلى الأجيال القادمة.
فهي تستخدم المنصات الرقمية لتقديم المحتوى التراثي بطريقة تقرّبه من الجيل الجديد المعتاد على الشاشات، مؤمنةً أن الحفاظ على التراث لا يكون بالكلام عنه فحسب، بل بمنحه مساحة حية في أيامنا. وبين التمريض والغناء والعمل الإنساني وصناعة المحتوى، تقدم سارة صورة تشبهها تماماً: فلسطينية نشأت في المخيم، جمعت بين صوتها الخاص ووعيها الإنساني. إنها تؤمن بأن الأصوات الأصيلة لا تذوي مع مرور الوقت، بل تظل تبحث عن قلوب تصغي إليها لتوقظ فيهم حنينَ الجذور. فكل أغنية تؤديها، وكل حكاية تنقلها عبر الشاشات، هي بذرة جديدة تُزرع في تربة الذاكرة، لتثمر وعياً وانتماءً لا يزول، مؤكدةً أن ما حفظه الأجداد سيظل حياً ما دام هناك من يرفض أن يُنسى
تصدير المحتوى ك PDF