ربما لم يكن سلاحاً قاتلاً لكنه قد يوقف القتل _ المخرجة الفلسطينية-مي المصري
ربما لم يكن سلاحاً قاتلاً لكنه قد يوقف القتل
المخرجة الفلسطينية-مي المصري
بقلم منية سلاطنة
إذا قلّبت في صفحات التاريخ ستجد بأن المرأة الفلسطينية وُلدت مُقاومة بالفطرة وليس اكتساباً، فهي التي خرجت من رحم النضال والمعاناة تحت وطأة الاحتلال على مر العقود، فهي زوجة الأسير وأم الشهيد والأخت المناضلة، هي التي أثبتت بأن النضال والمقاومة لها أوجه متعددة ولكل فرد سلاحه، وبالحديث عن أيقونة النضال المُستدام المخرجة الفلسطينية " مي المصري" والتي حملت سلاحها على كتفها لتجوب به العالم داعمة للقضية الفلسطينية وموثقة لسرديتها، فاضحة لانتهاكات الاحتلال، بكاميراتها حيث أخرجت العديد من الأفلام الوثائقية والروائية التي تحاكي الواقع الفلسطيني ومعاناته تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي حيث نجحت مي في إيصال الرسالة الإنسانية للشعب الفلسطيني على جميع المستويات حتى وصلت للدولية منها وأظهرت ما كان مغيبا عن العالم لعقود طويلة فلربما لم تكن المصري تحمل سلاحا قاتلا لكنه قد يوقف القتل..
اذ برزت المخرجة الفلسطينية (مي المصري) في تاريخ السينما الفلسطينية والعربية، بوصفها واحدة من الأصوات التي اختارت الكاميرا وسيلة لحفظ الذاكرة، والاقتراب من الإنسان، وسرد الحكاية الفلسطينية بعيدًا عن الصور النمطية والخطابات الجاهزة.
وُلدت مي المصري في عمّان عام 1959، ونشأت في بيروت، ودرست السينما في الولايات المتحدة قبل أن تعود إلى المنطقة في مطلع الثمانينيات. ومنذ بداياتها، ارتبط مشروعها السينمائي بفلسطين ولبنان، وبحياة الناس الذين يعيشون الحرب والاحتلال واللجوء، ولا سيما النساء والأطفال.
وبدأت تجربتها الإخراجية المستقلة بفيلم "أطفال جبل النار" عام 1990، بعد أن كانت قد عملت مع المخرج اللبناني الراحل جان شمعون في عدد من الأفلام التي وثقت الحرب اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي لبيروت. ومع زوجها شمعون، شاركت مي في صناعة أفلام مثل "تحت الأنقاض" و"بيروت جيل الحرب" و"أحلام معلقة"، قبل أن تواصل مسيرتها الخاصة التي جعلت من الإنسان محورا أساسيا في أفلامها.
ما يميز سينما مي المصري أنها لا تكتفي بتسجيل الحدث، بل تبحث عن أثره في الذاكرة والمشاعر. فَفي أفلامها عن الأطفال، مثل "أطفال جبل النار" و"أطفال شاتيلا" و"أحلام المنفى" ، يتحول الطفل من مجرد شاهد على الحرب إلى حامل للذاكرة، وصاحب حلم وصوت قادر على مقاومة النسيان. أما في أفلامها عن النساء، فتمنح التجارب الشخصية مساحة واسعة لتصبح جزءا من الحكاية العامة لفلسطين.
وفي فيلمها الروائي الأول "3000 ليلة" عام 2015، انتقلت المصري من الوثائقي إلى الدراما، مستندة إلى قصة حقيقية لأسيرة فلسطينية التقت بها أثناء عملها على أفلامها عن الانتفاضة الأولى. حيث يروي الفيلم تجربة امرأة فلسطينية تلد طفلها داخل السجن، في محاولة لاستعادة إنسانيتها وأمومتها وسط واقع قاسٍ. وحاز الفيلم على عشرات الجوائز والتكريمات الدولية، وعُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي.
وخلال أكثر من أربعة عقود، صنعت مي المصري أكثر من 18 فيلما عُرضت في أنحاء مختلفة من العالم، وحصلت أعمالها على أكثر من 90 جائزة دولية بحسب مهرجان عمّان السينمائي الدولي ومؤسسة الدراسات الفلسطينية. ومن أبرز أعمالها أيضًا "يوميات بيروت" و"33 يوم" و"بيروت في عين العاصفة"، لكن أهمية مي المصري لا تختصرها الجوائز، بل إن قيمتها الحقيقية تكمن في الطريقة التي تنظر بها إلى السينما بأنها كاميرا تقف إلى جانب الإنسان، وتمنح المساحة لمن غالبا ما تختصرهم نشرات الأخبار إلى أرقام وصور عابرة.
من بيروت إلى مخيمات اللجوء، ومن الأطفال إلى الأسيرات، ومن الحرب إلى تفاصيل الحياة اليومية، ظلت مي المصري تطرح السؤال نفسه بصور مختلفة : كيف يمكن للسينما أن تحفظ ما يحاول العنف أن يمحوه؟
وربما لهذا بقيت أفلامها أكثر من مجرد وثائق عن زمن مضى؛ إنها ذاكرة حية لفلسطين، وشهادة على أن الحكاية حين تُروى بصدق يمكن أن تعبر الحدود وتصل إلى العالم، وتقاوم النسيان
تصدير المحتوى ك PDF