تلّ الزعتر… خمسون عامًا والذاكرة تأبى أن تموت
تلّ الزعتر… خمسون عامًا والذاكرة تأبى أن تموت
يا أبناء هذه الأمة…
في هذه الذكرى، لا أريد أن أبدأ حديثي بالموت، بل بالحياة… ولا بالمجزرة، بل بما كان ينبغي أن يمنع وقوع المجازر: وحدتنا، وشعورنا ببعضنا، وإحساسنا بأن الدم الذي يسري في عروقنا يحمل وجعًا واحدًا، مهما فرّقت بيننا الحدود والمسافات.
أما آن لنا أن نشعر بأن ألم العربي في أي بقعة من هذه الأرض هو شيء من ألمنا؟
أما آن لدمعة أمٍّ في فلسطين، أو لبنان، أو سوريا، أو العراق، أو اليمن، أو السودان، أن تجد صداها في قلوبنا قبل أن نسأل عن جنسيتها أو طائفتها أو انتمائها؟
لقد أتعبتنا الانقسامات، وأنهكتنا الصراعات، وأخذتنا السياسة بعيدًا حتى كدنا ننسى أبسط ما يجمعنا:
أننا بشر أولًا… وأننا أبناء أمة واحدة، وأن وجع بعضنا يجب ألا يصبح خبرًا عابرًا عند بعضنا الآخر.
لا أدعو إلى وحدة تولد من كراهية أحد، بل إلى وحدة تولد من محبتنا لبعضنا.
لا أريد عروبةً تبحث عن عدو لكي تجتمع، بل عروبةً تبحث عن أخيها حين يسقط لكي تسنده.
عروبةً تشعر بالجائع قبل أن تسأله من أين أتى، وبالأم الثكلى قبل أن تسألها إلى أي طائفة تنتمي، وبالطفل الخائف قبل أن تبحث عن اسمه وهويته.
فلتختلف السياسة، ولكن لا تختلف القلوب.
ولتتعدد الأوطان، ولكن لا تتجزأ الرحمة.
ولتختلف آراؤنا، ولكن لا يصبح دم بعضنا رخيصًا في عيون بعضنا.
ومن هنا أصل إلى تلّ الزعتر…
إلى اسمٍ كلما مرّ على الذاكرة، شعرت أنه ليس مجرد اسم لمخيم، ولا مجرد صفحة في تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية.
إنه حدث يزلزل كيان كل وطني شريف، وكل إنسان ما زال في قلبه مكان للعدالة والرحمة.
تلّ الزعتر… الحكاية التي سبقت ولادتي
مجزرة تلّ الزعتر حدثت قبل ولادتي بعام واحد.
لم أكن هناك.
لم أسمع دويّ القذائف.
لم أرَ الحصار.
لم أشاهد وجوه الأمهات والأطفال.
ولم أعرف يومها معنى أن يُحاصر الإنسان في المكان الذي احتمى به أصلًا من مأساة سابقة.
لكنهم ورّثونا ذكراها.
وهذه ربما أغرب علاقة يمكن أن تربط الإنسان بحادثة لم يعشها:
أن تولد بعدها… لكنها تكون قد وصلت إليك قبلك.
كبرنا ونحن نسمع عن تلّ الزعتر.
سمعنا الاسم على ألسنة الكبار، وفي أحاديث البيوت، وفي روايات الذين عاصروا تلك المرحلة.
وربما لم نكن ونحن أطفال نفهم كل ما تعنيه كلمات مثل «حصار» و«مجزرة» و«ضحايا»…
لكننا كنا نعرف من وجوه الذين يروون، ومن نبرة أصواتهم، ومن ذلك الصمت الذي كان يتسلل أحيانًا بين الكلمات، أن شيئًا فادحًا قد حدث هناك.
ثم كبرنا…
وكبرت تلّ الزعتر معنا.
كلما كبرنا عامًا، فهمنا من الحكاية شيئًا جديدًا.
وكلما عرفنا أكثر، أدركنا أن بعض المآسي لا تحتاج إلى أن تكون شاهدًا عليها لكي تصبح جزءًا من ذاكرتك.
هناك ذكريات يرثها الأبناء عن الآباء، لا لكي يرثوا الكراهية، وإنما لكي يحملوا أمانة الحقيقة.
وهكذا ورثنا تلّ الزعتر.
ورثنا حكايات الحصار.
ورثنا صور المخيم.
ورثنا وجع الأمهات.
ورثنا أسماء الذين رحلوا.
وورثنا، قبل كل شيء، سؤالًا ظل حاضرًا رغم مرور نصف قرن:
كيف يمكن أن يحدث كل هذا للإنسان، ثم تمضي الحياة وكأن شيئًا لم يكن؟
خمسون عامًا…
خمسون عامًا مرّت على تلّ الزعتر.
نصف قرن كامل.
خلاله وُلدت أجيال، وكبر أطفال، وأصبحوا آباء وأجدادًا، ورحل كثير من الشهود الذين حملوا في صدورهم تفاصيل تلك الأيام.
تغيّر العالم كثيرًا.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير:
الذاكرة.
فالضحايا ليسوا أرقامًا في كتاب تاريخ.
كان لكل واحد منهم اسم.
كان لكل واحد منهم وجه.
كان لأحدهم طفل ينتظره، ولآخر أمّ تدعو له، ولثالث بيت صغير وأحلام بسيطة.
كان بينهم من يريد أن يعيش فقط.
أن يشرب الماء.
أن يطمئن على أطفاله.
أن يرى صباحًا آخر.
وهنا تصبح المأساة أكبر من السياسة، وأكبر من الشعارات، وأكبر من كل الخلافات التي كتبها المنتصرون والمهزومون في كتبهم.
لأن الإنسان حين يُقتل، لا تسقط معه هوية سياسية فقط…
تسقط حياة كاملة.
تسقط أحلام كان يمكن أن تتحقق.
وأطفال كان يمكن أن يكبروا.
وأمهات كان يمكن أن يفرحن.
وحكايات كان يمكن أن تستمر.
ولهذا، حين نقول اليوم:
«خمسون عامًا على مجزرة تلّ الزعتر… نصف قرن على الجريمة… بلا حساب»
فنحن لا نستحضر الماضي لكي نصنع كراهية جديدة.
ولا نفتح الذاكرة لكي نبحث عن ثأر.
بل نستحضرها لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للضحايا هو أن يموتوا مرتين:
مرة حين تُنتزع منهم الحياة…
ومرة حين تُنتزع منهم الذاكرة.
نحن شهود على الذاكرة
أنا لم أشهد تلّ الزعتر.
فقد حدثت المجزرة قبل ولادتي بعام.
لكنني اليوم أدرك أنني أنتمي إلى جيل ربما لم يكن شاهدًا على الحدث، لكنه أصبح شاهدًا على ذاكرته.
وهذه مسؤولية.
لأن الجيل الذي عاش المأساة يرحل شيئًا فشيئًا.
والأصوات التي روت لنا الحكاية تخفت.
والصور تصفرّ أطرافها.
والوثائق تصبح قديمة.
لكن الحكاية يجب ألا تشيخ.
علينا أن نحملها إلى أبنائنا، وأن نقول لهم:
هنا عاش بشر.
هنا كانت أمهات.
هنا كان أطفال.
هنا كان أناس يحلمون مثلما تحلمون.
وهنا حدث شيء يجب أن تتعلم منه الإنسانية حتى لا يتكرر.
نحن لا نورّث أبناءنا الكراهية… بل نورّثهم الذاكرة.
ولا نورّثهم الانتقام… بل نورّثهم السؤال والوعي والتمسك بكرامة الإنسان.
ومن تلّ الزعتر… نداء إلى أمتي
ولعلّ هذا هو السؤال الذي يجب أن يبقى معنا بعد أن ينتهي هذا اللقاء:
كم تلّ زعتر نحتاج حتى نتعلم؟
كم أمًّا يجب أن تبكي؟
وكم طفلًا يجب أن يخاف؟
وكم بيتًا يجب أن يُهدم؟
وكم عامًا يجب أن يمر قبل أن ندرك أن تمزقنا لم يكن يومًا مصدر قوة لنا؟
يا أبناء أمتي…
لسنا مطالبين بأن نتفق في كل شيء.
ولكننا مطالبون بألا نفقد الإحساس ببعضنا.
إذا سال دم عربي، فلا تسأل أولًا عن مذهبه أو طائفته أو جنسيته… اسأل كيف تنقذه.
وإذا بكت أم، فلا تبحث عن حدود وطنها قبل أن تشعر بدمعتها.
وإذا خاف طفل، فلا تسأله عن هويته قبل أن تمنحه الأمان.
هذه هي الوحدة التي أحلم بها.
ليست وحدة الشعارات والخطب.
إنها وحدة القلب.
أن نشعر ببعضنا.
أن يؤلمنا جرح بعضنا.
أن ندرك أن الدم الذي يجري في عروقنا لا يعرف الخرائط التي رسمناها بيننا.
فلسطين ليست وجع الفلسطيني وحده.
ولبنان ليس وجع اللبناني وحده.
وسوريا والعراق واليمن والسودان وكل جرح عربي ليس شأن أهله وحدهم.
فالوجع حين يكون إنسانيًا لا يحتاج إلى جواز سفر لكي يعبر الحدود.
وبعد خمسين عامًا…
أعود إلى تلّ الزعتر.
إلى تلك الحكاية التي سبقت ولادتي بعام، لكنها بقيت حاضرة في جيلي حتى اليوم.
وأقول لمن رحلوا هناك:
لم نكن معكم يومها…
لكن حكايتكم وصلت إلينا.
لم نسمع أصواتكم يومها…
لكن صداها وصل إلينا بعد نصف قرن.
لم نشاهد وجوهكم جميعًا…
لكننا نعرف أن وراء كل رقم من أرقام الضحايا إنسانًا كان يستحق أن يعيش.
وإذا كان من واجب علينا اليوم، فهو أن نحفظ هذه الذاكرة من النسيان، وأن نحول ألمها إلى وعي، ووعيها إلى موقف إنساني يقول:
كفى للدم العربي أن يكون رخيصًا.
كفى للانقسام أن يأكل أبناءنا.
كفى لأن نتذكر بعضنا بعد الموت، وننسى بعضنا ونحن أحياء.
يا أمتي…
لا أريدك أن تتوحدي لكي تكرهي أحدًا.
أريدك أن تتوحدي لكي لا يُترك واحد من أبنائك وحيدًا مرة أخرى.
أريد ذلك الدم الذي يسري في عروقنا أن يتحول من مجرد انتماء نتغنى به إلى إحساس حقيقي بالمسؤولية تجاه بعضنا.
أن يكون وجع أحدنا وجعًا للآخر.
وكرامة أحدنا كرامة للآخر.
وحياة طفل في أي أرض عربية غالية علينا كما لو كان طفلًا في بيتنا.
تلك، في نظري، أجمل هدية يمكن أن نقدمها لمن رحلوا.
وأعظم أمانة يمكن أن نسلّمها لمن سيأتون بعدنا.
خمسون عامًا مرّت على تلّ الزعتر…
لكن تلّ الزعتر لم تمرّ من ذاكرتنا.
لأن المكان قد يُهدم…
والشهود قد يرحلون…
والصور قد تشيخ…
لكن الذاكرة، حين يحملها جيل ويسلّمها إلى جيل، لا تموت.
ونحن اليوم نحملها.
لا لنزرع بها حقدًا…
بل لكي نحصد منها وعيًا.
لا لنبحث عن حرب جديدة…
بل لكي نحلم بيوم يصبح فيه الدم الذي يجري في عروق هذه الأمة سببًا لأن نحمي بعضنا، لا أن يريق بعضنا دم بعض.
رحم الله الضحايا، وحفظ للأحياء ذاكرتهم، وجمع هذه الأمة على الرحمة والكرامة والعدل، حتى يأتي يوم لا نورّث فيه أبناءنا حكايات المجازر… بل نورّثهم حكايات الوحدة والحياة.
تصدير المحتوى ك PDF