البداوي: حين يعبر الصوت حدود الجغرافيا
البداوي: حين يعبر الصوت حدود الجغرافيا
هاجر ضرافاة
كان البداوي أول مخيم فلسطيني أعرفه؛ ولذلك لم أدخله بوصفه محطةً أولى في مسارٍ بين المخيمات، بل بوصفه عتبةً أولى إلى معنى أعمق: أن المخيم ليس هامشًا على خريطة فلسطين، ولا حيّزًا معلّقًا بين اللجوء والانتظار، بل فضاءٌ حيّ تتكثف فيه الذاكرة، ويُعاد فيه إنتاج الهوية، وتظلّ فلسطين حاضرةً لا باعتبارها ماضيًا مستعادًا، وإنما باعتبارها حقًا لم يُسقطه الزمن.
البداوي هو مخيم الشهداء، لكنه في الوقت نفسه مخيم المبدعين؛ مخيم الكتّاب والشعراء والرسامين والمنشدين وأصحاب المواهب التي وجدت في الفن والكتابة مساحةً أخرى لحفظ فلسطين من الغياب. هنا لا تصبح الموهبة ترفًا، ولا الفن مجرد جماليات منفصلة عن الواقع؛ إنهما يتحولان إلى شكل من أشكال حمل الذاكرة، وإلى لغةٍ أخرى تقول إن فلسطين لا تُحفظ في الروايات وحدها، بل يمكن أن تُكتب، وتُرسم، وتُنشد، وتُصاغ في كل عمل يرفض أن يسمح للمنفى بأن يتحول إلى نسيان.
في البداوي، لا تُحفظ الذاكرة في الأرشيف وحده؛ إنها تسكن الجدران، وتتعالق مع أسماء العائلات، وتنتقل في الحكايات، وتطلّ من الوجوه، حتى يغدو المكان نفسه وثيقةً مفتوحة، تتجاور فيها ذاكرة الشهداء مع حيوية المبدعين، وكأن المخيم يردّ على الاقتلاع بطريقتين متلازمتين: أن يتذكر، وأن يبدع.
ومن هذا المكان قدّمتُ، ضمن فريق موسوعة المخيمات الفلسطينية وبالشراكة مع النادي الثقافي العربي الفلسطيني، ورشة «من الذاكرة إلى السردية: غزة وحق العودة في الوعي المعاصر». ولم يكن المقصود أن نستعيد الذاكرة بوصفها مادةً للاجترار، بل أن نسائل قدرتنا على تحويلها إلى سردية تمتلك أدواتها؛ سردية لا تكتفي بأن تقول ما حدث، وإنما تمتلك القدرة على تفسيره وتأطيره ومقاومة محاولات اقتلاعه من سياقه، وتحويل الفلسطيني من صاحب قضية إلى مجرد صورةٍ للضحية.
وفي البداوي، بدا هذا السؤال أقل تجريدًا وأكثر التصاقًا بالحياة؛ فالمخيم نفسه نصٌّ مفتوح، كل جدارٍ فيه قابلٌ للقراءة، وكل اسمٍ يحمل وراءه جغرافيا غائبة، وكل حكايةٍ عائلية تحفظ في طياتها ما عجزت خرائط القوة عن محوه. وفي زمن تُخاض فيه المعارك على الأرض كما تُخاض على الصورة، وعلى التسمية كما تُخاض على الحقيقة، يصبح امتلاك القدرة على رواية الذات جزءًا من امتلاك القدرة على البقاء.
لكن البداوي منحني درسًا آخر لا يقل دلالة: أن الكلمة لا تعترف بحدود المخيم. كنت قد عرفت هذا المكان، قبل أن تطأه قدماي، من خلال كلمات خرجت منه ووصلت إليّ في صفرو، في أقصى المغرب. قرأت لكاتبٍ ومبدعٍ ومنشدٍ من أبناء المخيم، وتأثرت بما يكتب، دون أن أعرف في البداية أن الصوت الذي عبر إليّ من بعيد كان يحمل جغرافيا كاملة وراءه. ثم جاءت الأيام، وقادتني الكلمة نفسها إلى المكان الذي خرجت منه.
وهنا تصبح المسافة بين البداوي وصفرو أكثر من مسافةٍ جغرافية؛ تصبح برهانًا على أن النص يستطيع أن يفعل ما تعجز عنه الخرائط: أن يعبر، وأن يصل، وأن يجعل مكانًا بعيدًا يسكن في وعي من لم يره، ثم يقوده ذات يوم إلى أبوابه.
ولعل هذه واحدة من أكثر الرسائل التي يحتاج شباب المخيمات إلى سماعها اليوم: أن أصواتهم ليست حبيسة أمكنتهم. قد تبدأ الكلمة من غرفةٍ صغيرة، أو من دفترٍ متواضع، أو من مرسمٍ في زاويةٍ من المخيم، لكنها قد تصل إلى مدينة لا يعرفها صاحبها، وإلى قارئ لم تطأ قدماه مخيمًا فلسطينيًا قط. وما يبدو هامشيًا على الخريطة قد يكون، في فضاء السرد والفن، مركزًا قادرًا على مخاطبة العالم.
لهذا فإن الانتقال من الذاكرة إلى السردية ليس ترفًا لغويًا؛ إنه انتقال من أن نكون موضوعًا تُروى حكايته إلى أن نصبح أصحاب القدرة على روايتها. أن نمنح الشباب أدوات الكتابة والتوثيق والفن والإعلام، لا ليحفظوا الذاكرة فقط، بل ليعيدوا إنتاجها بوعيٍ قادر على مقاومة المحو، وعلى تفكيك السرديات التي تحاول أن تفصل الفلسطيني عن أرضه، واللاجئ عن حقه، والمخيم عن فلسطين.
فغزة، بما تخوضه من معركة على الوجود والمعنى معًا، ليست بعيدة عن البداوي. كلاهما يضعنا أمام السؤال ذاته: من يملك حق رواية فلسطين؟ وفي زمن تُخاض فيه المعارك على الصورة بقدر ما تُخاض على الأرض، تصبح الكلمة موقفًا، والتوثيق فعلَ حضور، والفن وسيلةً لاستعادة ما يحاول المحو ابتلاعه، والسردية إحدى أدوات حماية الحق من النسيان والتحريف.
لهذا لم أخرج من البداوي وأنا أحمل في ذاكرتي مخيمًا آخر فحسب؛ خرجت وأنا أكثر يقينًا بأن المخيم ليس نهاية الجغرافيا، بل إحدى النقاط التي تبدأ منها الحكاية إلى العالم. قد تضيق الأرض بأبنائها، وقد تُحاصر الأمكنة، وقد تُثقل الحياة بأعبائها، لكن الكلمة، حين تولد من تجربةٍ حقيقية وتحملها موهبةٌ واعية، لا تعرف الحصار.
من البداوي إلى صفرو، من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب؛ قد تفصلنا الجغرافيا، لكن الكلمة تعرف دائمًا كيف تعثر على الطريق.
تصدير المحتوى ك PDF