فصول من سيرة مخيم اليرموك (11)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (11)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (11)

د. ثئر عودة

للحديث عن الحركة المسرحية النشطة في المخيم منتصف السبعينيات لابد من الحديث عن دور النادي العربي (ولك أن تتخيل مسرحاً وتمثيلاً ونصوصاً مسرحية عربية وعالمية في مخيم فقير في حين أن مدناً سورية كبرى ودولاً عربية إن شئت لم تسمع بمثل هذا الفن إلا في مرحلة متأخرة من القرن الماضي!) وكان المشرف على تلك الحركة فنان مثقف مجهول هو (فضل عودة) الذي كان موظفاً عادياً (مساعد مهندس) في إحدى مؤسسات الدولة أي أن عمله في المسرح كان مجرد هواية وشغف، بدأ باختيار بعض النصوص من الأدب العربي والعالمي وإعدادها لتصبح نصوصاً مسرحية، وشكّل مع مجموعة من الشباب فرقة مسرحية واختاروا القاعة الوحيدة الكبيرة في النادي وحولوها إلى قاعة مسرحية تتسع لحوالي مئة متفرج وخشبة عرض متواضعة وديكور وإضاءة وملابس وموسيقى تصويرية وكل ما له علاقة بفضاء العرض المسرحي وبجهود فردية، مما جعل بعض المشتغلين بالمسرح القومي في دمشق ينتبهون إلى هذه الظاهرة العجيبة في المخيم، وكان من أوائل من جاء ليشجع هذه الظاهرة الممثل المسرحي الفلسطيني الكبير (يوسف حنا) الذي كان نجماً من نجوم التمثيل في سورية في وقت مبكّر، فالتقى بجماعة المسرح في المخيم أكثر من مرة وزوّدهم بخبرته واستشاراته بل وأحضر معه قريبته الكاتبة الأنيقة ريم حنا والممثل الفلسطيني الكبير بسام لطفي والممثل والكاتب الفلسطيني هاني السعدي والممثل والكاتب حسن سامي اليوسف، بالإضافة إلى أشهر الفنانين السوريين العاملين في التمثيل والمسرح في دمشق، وأولهم الفنان المبدع هاني الروماني، والكاتب الرائع المتخصص بالمسرح رياض عصمت الذي أصبح فيما بعد مديراً للمسرح القومي في سورية ووزيراً للثقافة على ما أظن، وقدّم لمجموعة مسرح المخيم واحداً من نصوصه المهمة (أظنها مسرحية الأصابع الخفية) وكذلك قدمت الفرقة مسرحية (الفيل يا ملك الزمان) لسعد الله ونوس (والطاعون يعسكر في المدينة) وهو نص مأخوذ من كتاب ألف ليلة وليلة عن القاضي أو الحاكم قراقوش، اختاره المخرج فضل عودة وأعده ليصبح نصاً مسرحياً صالحاً للعرض.. وشارك الرسام والخطاط والموسيقي عدنان عودة بالتمثيل ورسم الديكور ووضع الموسيقى التصويرية وتخطيط الإعلانات الترويجية التي تعلن عن المسرحية.. وكذلك فعل الممثل الموهوب شوكت السمنودي الذي اخترع المكياج واللباس المناسب لكل شخصية.. وقام شاب آخر من بيت كلش (على ما أظن) بالتمثيل وتنفيذ الديكور والاهتمام بأمور الإضاءة.. ومازلت أذكر إعلاناً ترويجياً لمسرحية تحت عنوان "بصمات الليل" على سور معمل بسكويت كاميليا في شارع فلسطين، وأذكر من أسماء الممثلين العالقة في الذاكرة فضل قدورة/ لودي حداد/ مروان فرحات/ رياض أبو طه/ فايز عبد الرزاق/ معين زيتوني/ تيسير إدريس وممثل آخر من عائلة نصار ومروان فرحات الذي أصبح مدرساً بالمعهد العالي للفنون المسرحية.

لقد كانت مجموعة حيوية من الشباب تُعدّ كل ما يلزم لتقديم عرض مسرحي مقنع (أعتذر عن ذكر باقي الشباب الذين نسيت أسماءهم).. وقد لمع لاحقاً من هؤلاء الشباب الفنان اللطيف الموهوب تيسير إدريس والفنان صبحي سليمان، والفنان القدير عبد الرحمن أبو قاسم والفنان زيناتي قدسية (على الرغم من أنه لم يكن من سكّان المخيم) وشاب آخر موهوب توفى في وقت مبكّر هو علي شحادة الشهابي الذي احترف التمثيل والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق وبدأ بالاحتراف من خلال الدراسة في إحدى دول أوروبا الشرقية لكنه رحل قبل اكتمال تجربته ونضجها..

ولا أدري ما العوامل التي أدت إلى توقف هذه الظاهرة العظيمة مطلع الثمانينيات لكنها كانت إضافة ثقافية استثنائية وفِي وقت مبكّر من عمر المخيم وتكمن قوتها في ريادتها، لأنه كما قال أحد السياسيين في الغرب (أعطني مسرحاً أعطيك شعباً مثقفاً) ولقد أعطت جماعة المسرح هذه دوراً تثقيفياً كبيراً لأبناء المخيم بالإضافة إلى رفدها الحركة المسرحية في سورية بممثلين نجوم كانت لهم فيما بعد بصماتهم المميزة في المشهد الثقافي المسرحي والدرامي في سورية..(يتبع)



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى