أبعد من اللجوء: المخيم كطريقة في الوجود ومختبر للذاكرة

أبعد من اللجوء: المخيم كطريقة في الوجود ومختبر للذاكرة

أبعد من اللجوء: المخيم كطريقة في الوجود ومختبر للذاكرة

هاجر ضرافاة

ليس من الدقة أن يُقال إن برج البراجنة مخيمٌ للاجئين الفلسطينيين. هذا تعريفٌ إداريٌّ يصلح في سجلات الأمم المتحدة، لكنه يعجز عن تفسير حقيقة المكان. فالمخيم، في جوهره، ليس تجمعًا سكانيًا نشأ بفعل التهجير، وإنما هو البنية المادية لذاكرةٍ رفضت أن تتحول إلى أرشيف، والإثبات الأكثر عنادًا على أن التاريخ لا ينتهي بمجرد إعلان المُحتَلّ انتهاءه.

دخلتُ برج البراجنة وأنا أظن أنني سأزور مكانًا. لكنني سرعان ما أدركت أنني لا أعبر حيّزًا جغرافيًا، بل أعبر طبقات متراكمة من الزمن؛ زمن النكبة الذي لم يغادر، وزمن المقاومة الذي لم ينقطع، وزمن الانتظار الذي لم يتحول-رغم مرور ثمانية عقود- إلى استسلام.

المخيم ليس استثناءً عمرانيًا داخل مدينة بيروت، بل استثناءٌ فلسفي في فهم العلاقة بين الإنسان والمكان. ففي كل التجارب الإنسانية تقريبًا، يصنع الناس أوطانهم ثم يسكنونها؛ أما هنا، فإن الوطن هو الذي يسكن الناس بعد أن حُرموا ولوجَه والعودة له. ولذلك لا تبدو فلسطين في برج البراجنة ذكرى بعيدة، ولا رمزًا عاطفيًا، ولا خطابًا سياسيًا يُستدعى في المناسبات. إنها حضور يومي، كثيف، وعنيد، يتجسد في اللغة، وفي أسماء القرى التي يتداولها الأطفال كما لو أنهم خرجوا منها صباح الأمس، وفي المفاتيح التي لم تعد تفتح أبوابًا، لكنها ما تزال تفتح الجُرح.

لطالما اختزلت الأدبيات الإنسانية المخيم في معادلة الحاجة: الفقر، والاكتظاظ، والهشاشة، والخدمات. غير أن هذا الاختزال، على الرغم من صحته، يخفي الحقيقة الأكثر أهمية. فبرج البراجنة ليس مختبرًا للبؤس، بل مختبرٌ لقدرة الإنسان على هزيمة المشروع الاستعماري في أكثر ساحاته حساسية: ساحة الذاكرة. فالاستعمار لا يكتفي باحتلال الأرض؛ إنه يسعى، قبل كل شيء، إلى احتلال الرواية، وإقناع الضحية بأن الزمن كفيل بإلغاء حقها. لكن المخيم يقف، منذ عقود، بوصفه البرهان المادي على فشل هذه المحاولة.

كل ما في المكان يوحي بالضيق، إلا الإنسان!

 الأزقة بالكاد تتسع للعابرين، والأسلاك تتشابك فوق الرؤوس، والإسمنت يزاحم الهواء، لكن الأرواح تبدو أكثر اتساعًا مما تسمح به الجغرافيا. هنا يكتشف المرء أن الكرامة ليست نتاج الوفرة، وأن الهوية لا تُقاس باتساع الأرض التي يعيش عليها الإنسان، بل بقدرته على حماية المعنى الذي يعيش من أجله.

وإذا كانت المدن تُقاس عادةً بما تُنتجه من عمران، فإن المخيم يُقاس بما يُنتجه من وعي. فهو لا يورث أبناءه الممتلكات، بل يورثهم الرواية؛ ولا يمنحهم اليقين بأن العودة قريبة، بل يمنحهم يقينًا آخر أكثر رسوخًا: أن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تسقط بالتقادم. ولهذا لم يكن أكثر ما لفت انتباهي هو صمود البيوت، بل صمود المعنى؛ ذلك المعنى الذي يجعل الجيل الثالث والرابع من اللاجئين يتحدث عن قرى لم يرها قط، لا بوصفها أسطورة عائلية، بل بوصفها حقيقة مؤجلة.

خرجت من برج البراجنة وأنا أكثر حذرًا في استخدام الكلمات. لم أعد أستطيع أن أصفه بـ"مخيم لجوء"، لأن هذا الوصف ينظر إليه من زاوية القانون، بينما ينتمي هو إلى حقلٍ أعمق؛ حقل التاريخ والأخلاق والسياسة. إنه ليس المكان الذي انتهت فيه فلسطين، بل المكان الذي رفض أن يسمح بانتهائها. وليس فضاءً يعيش على هامش المدن، بل شاهدٌ دائم على أن العالم لم يحل قضية اللاجئين، بل تعلّم كيف يتعايش مع استمرار الظلم.

ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي يمنحه برج البراجنة لزواره: أن الاحتلال قد ينتزع الأرض، وقد يهدم البيوت، وقد يطيل المنفى حتى يصبح عمرًا كاملًا، لكنه يبقى عاجزًا أمام شعبٍ قرر أن يحوّل الذاكرة من فعل تذكُّر إلى طريقةٍ في الوجود.



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى