إلى أرضٍ سكنتني… وأحلم يومًا أن أسكنها

إلى أرضٍ سكنتني… وأحلم يومًا أن أسكنها

إلى أرضٍ سكنتني… وأحلم يومًا أن أسكنها

 

إلى أرضٍ سكنتني… وأحلم يومًا أن أسكنها

ريم العتيبي


هي ليست كأيِّ أرض، بل هي عشقي، هي أملي، هي وطني الذي سكنني ولم أسكنه بعد. هي الأرض التي يعجز عن وصفها أعظمُ شاعر تضيع وتتبعثر الكلمات مني في وصفها؛ من ترابها يفوح المسك، وعلى ثراها يزهر الورد في كل المواسم، كأنها خُلقت لتكون حكاية حبٍّ لا تموت.

منذ صغري، كنت أحلم بأن أعيش على ترابها، أن أخطو خطواتي الأولى بين طرقاتها، وأن أتنفس هواءها. كنت أنتظر يوم العودة وما زلت أحمله في قلبي وعدًا سيتحقق، أراه في كل حلم كأنه حقيقة مؤجلة لا بد أن تأتي.

هذه الأرض ليست مجرد مكان تمنينا العيش فيه، بل هي ذاكرة شعب، ونبض قلوبٍ لم تتوقف يومًا عن الحلم بالحرية. إنها فلسطين، الأرض التي ارتوت بدماء أبنائها ففاح المسك من ترابها، صارت حكايتها محفورة في التاريخ، يسلمها جيل بعد جيل. لا تُنسى ولا تُمحى، لأن كل ذرة من ترابها تروي قصة صمود لا تعرف الانكسار، تجعلني أفتخر بأنني أنسب لها.

في الثلاثين من مارس من عام 1976، سطّر الشعب الفلسطيني صفحةً من صفحات العزة حين خرج مدافعًا عن أرضه في وجه قرارات المصادرة التي فرضتها الحكومة الإسرائيلية. لم تكن تلك المواجهة سهلة، فقد وقف الناس بصدورٍ عارية أمام الرصاص، يحملون في قلوبهم إيمانًا لا يتزعزع بحقهم في أرضهم، وتبطل مقولة لطالما نسبت زورا وبهتانا لهم بأن الفلسطيني باع أرضه. ارتقى الشهداء، وسقط الجرحى، وامتلأت السجون بالأحرار، لكن الأرض بقيت شاهدة على أن الحق لا يُنتزع بالقوة.

ومنذ ذلك اليوم، أصبح يوم الأرض رمزًا حيًا يتجدد في ذاكرة الفلسطينيين، يذكرهم بأن الأرض ليست مجرد حدود، بل هي كرامة وهوية وانتماء. في هذا اليوم، لا نستحضر الألم فقط، بل نستحضر القوة التي ولدت من رحم المعاناة، ونؤكد أن جذورنا أعمق من كل محاولات الاقتلاع.

لقد عشت حكايات موجعة؛ أمهاتٌ انتظرن أبناءً لن يعودوا، وأطفالٌ كبروا على صوت الحزن بدلًا من ضحكات الطفولة، وشيوخٌ تمسكوا بذكرياتهم كأنها آخر ما تبقى لهم من وطن. ومع ذلك، لم تتوقف الحياة، بل استمرت بعنادٍ يشبه عناد الأرض نفسها؛ نزرعها حبًا، نسقيها أملًا، ونتشبث بها كأنها الروح التي لا يمكن التفريط بها.

وستبقى هذه الأرض، رغم كل ما مرّت بها، تسكنني قبل أن أسكنها، وأناديها قبل أن أصل إليها، وأحلم بها وطنًا أعيشه لا مجرد ذكرى أرويها، حتى يأتي ذلك اليوم الذي أعود فيه إليها، لا زائرة، بل ابنة عادت أخيرًا بعد عناء إلى أرضها 




تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى