فصول من سيرة مخيم اليرموك (2)
فصول من سيرة مخيم اليرموك (2)
بقلم د. ثائر عودة
أما أستاذ اللغة الإنجليزية في الصف الأول الإعدادي في إعدادية المالكية فكان مختلفاً عن باقي الأساتذة في كل شيء حتى في اسمه (بريك) نسيت اسمه الأول.. لم يكن من سكّان المخيم وربما من منطقة ركن الدين في دمشق التي سكنها عدد من الفلسطينيين معظمهم من مدينة صفد وقضائها.. نعود للأستاذ (بريك) الذي كان أنيقاً ومُوَسوساً بالنظافة يكره الطلاب المنكوشي الشعر أو المتسخي المراييل.. يرسم على السبورة بمسطرته الطويلة أربعة أسطر مستقيمة ملونة جميلة مثل تلك التي على دفتر اللغة الإنجليزية الذي توزعه علينا الأونروا ويبدأ بكتابة حروف اللغة الإنجليزية (كابتل وسمول) مقطّعة وموصولة ثم يطلب منا أن نرسمها مثله تماماً..
وكان دافعنا لتعلم هذه اللغة الجديدة عاملين، أولهما: الرغبة الشديدة في تعلّم لسان جديد يمثل لنا نقلة مختلفة عن السائد في باقي الحصص الدراسية.. حيث كان القائمون على سياسة التعليم في سورية في ذاك الوقت يَرَوْن أن تعليم اللغة الأجنبية (إنجليزي أو فرنسي) يجب أن يبدأ بعد انتهاء المرحلة الابتدائية (الصف السادس) وأظنهم كانوا على صواب لأني وبعد مرور زمن طويل قرأت فيه لكثير من التربويين الغربيين المتخصصين في تعليم اللغات بأنه يجب تدريس اللغة الثانية بعد إتقان الطفل للغته الأم إتقاناً كاملاً (قراءة وكتابة وتحدّثاً) .. وكم استغربت عندما تغيرت هذه السياسة في التعليم في قادم الأيام حيث أصبح التلميذ يدرس اللغة الأجنبية الأولى في الصف الثاني أو الثالث ثم يدرس لغة أجنبية ثانية قبل إتمامه الصف التاسع.. ربما لأنّ من استلم التعليم لاحقاً كان من الجيل الذي درس بالغرب وانبهر به، وبحجة التطوير ومواكبة العالم والتخفف من العبء القومي الذي تعد اللغة العربية ركيزته الأولى..
أما العامل الثاني الذي جعلنا نتعلم هذه اللغة فهو الخوف بل الرعب من الأستاذ (بريك) الذي كان مجرماً في التعامل مع المقصرين في كتابة الواجبات أو حفظ الكلمات الجديدة وبمجرد أن يبدأ بتحسّس سوار ساعته الجلدي استعداداً لخلعه ثم خلع نظارته ووضعها على الطاولة فاعلم أن مجزرة ستحدث، مدعوماً بجسده الرياضي الممشوق.. كل هذا الاختلاف في شخصية الأستاذ (بريك) لم يمنع فلسطينيته من الانتشار في الصف حين يبدأ الحديث عن إتقانه هذه اللغة من أيام فلسطين.. ويبدو أنه كان من سكان إحدى مدن فلسطين المختلطة.. المهم أننا رغبنا منه ومن غيره في تعلم هذه اللغة وكنا نفرح كثيراً عندما نكتب أسماءنا أو نقول جملة تامة بتلك اللغة..
واللافت أنّ علاقة الفلسطينيين بهذه اللغة غريبة يحبونها ويكرهون أصحابها، فأغلب مثقفي ومتعلمي تلك الفترة كانوا يجيدونها وهناك كثير من الشباب اختصوا بها بعد أن درسوها في كلية الآداب، ومن أبرز هؤلاء اللامعين الأستاذ الدكتور محمد توفيق البجيرمي الذي كان بلا منازع نجم قسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب في جامعة دمشق والأستاذ الدكتور إبراهيم يحيى الشهابي الذي درّسنا هذه اللغة في قسم اللغة العربية في السنة الرابعة في كلية الآداب في جامعة دمشق، وغيره من الأكاديميين الذين كانوا أغلبية في الهيئة التدريسية في قسم اللغة الإنجليزية (سنعود إلى الحديث عنهم لاحقاً)، إضافة إلى الناقد الفذ يوسف سامي اليوسف الذي ترجم روائع الشعر الإنجليزي والأمريكي.. وقبل هؤلاء وبعدهم الأديب الاستثنائي جبرا إبراهيم جبرا الذي أَسّس وفِي وقت مبكّر جداً قسم اللغة الإنجليزية في جامعة بغداد وتلميذه الكبير الدكتور محمد عصفور الذي ترجم إلى العربية رواية جبرا الشهيرة (السفينة) التي كُتبت باللغة الإنجليزية.. والقائمة تطول وتطول.
ليس هذا فحسب بل إن كثيراً من كبار السن من أبناء شعبنا كان يعرف تلك اللغة.. وكم كنت أستغرب من جدي مرزوق أو جدي محمد علي الكفري وسواهما وهم يتكلمون في مجالسهم ببعض المفردات التي تعلموها من المحتل البريطاني لبلادنا.. مع إجماعهم على مَثلٍ كان يردده جدي مرزوق دائماً: الإنكليز مثل البرد سبب كل علة..
تصدير المحتوى ك PDF