فصول من سيرة مخيم اليرموك

فصول من سيرة مخيم اليرموك

فصول من سيرة مخيم اليرموك

فصول من سيرة مخيم اليرموك 1

د. ثائر عودة / دمشق

عندما أنجزتُ المرحلة الجامعية الأولى من حياتي (الليسانس) مش من زمان كثير، قبل أكثر من خمسٍ وثلاثين سنة، كانت لدي رغبة عارمة في التدريس ولا أدري لماذا؟ ربما بسبب حبي وتعلقي بالأساتذة الرائعين الذين درّسوني في مدارس وكالة الغوث الأونروا (ترشيحا ورأس العين والمالكية) وكان هؤلاء الأفاضل يعلموننا العلوم العامة ممزوجة بحب فلسطين بقطع النظر عن علاقة تلك العلوم بفلسطين فقد كان أستاذ الرياضيات بإعدادية المالكية (عايد العايدي) حين يختبرنا بنظرية فيثاغورث وتالس ومعادلات الجبر وبنات عمّها ولا نفلح، يجمع الراسبين منا في الاختبار في زاوية الصف ويبدأ بسلخنا بعصى طويلة (مؤشر السبورة) وين ما تيجي تيجي ويصرخ فينا والدم يكاد ينفجر من رقبته المنتفخة: ولكو يا أغبياء إذا ما تعلمتو ما بتشتغلوا زبالين بهاي البلد.. أنتو لاجئين وما بتقدروا تزاحموا ابن البلد إذا ما كان معكم شهادة.. والكلام نفسه كان يردده أستاذ الفيزياء فايز عودة أو أستاذ الكيمياء والعلوم سرحان أبو الهيجاء، هكذا كان أساتذة العلوم المجردة يَرَوْن علاقة اللاجئين بفلسطين..

أما أساتذة العلوم الإنسانية (تاريخ - جغرافيا- اللغة العربية والإنجليزية- الموسيقى والرسم) فكانت فلسطين في علومهم أجمل وأقرب إلى القلب.. صورتها رومانسية حالمة خضراء خالية من دنس الصهاينة.. صورة تجعل عقولنا الصغيرة تسافر إلى أرض العسل والبطولة المقدسة كتلك الصورة الرومانسية الحالمة في أشعار عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) ويوسف الخطيب وسواهما.. أو في أشعار شعراء المقاومة في مرحلة تالية (توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم ومعين بسيسو وسواهم) 

وفِي هذا السياق فإنّ أول هؤلاء الأساتذة الذين لا تغيب صورتهم من ذاكرتي الأستاذ المثقف الهادئ ابن مدينة يافا (أبو العبد الشاعر) أستاذ الموسيقى والفنون في المرحلة الابتدائية الذي علّمنا أجمل الأناشيد عن فلسطين (يا قطار العودة سير واستعجل بالمسير) وعرفنا منه شو يعني السلم الموسيقي وكتابة النوتة على دفتر الموسيقى.. كان عالماً بالموسيقى – ولا أبالغ في ذلك - ويمتلك صوتاً جميلاً في ترتيل القرآن والأناشيد الوطنية، لم نكن نعلم ذلك إلا بعد أن غادرنا تلك الأيام بسنوات.. كما قصّ علينا أروع قصص الأبطال الفدائيين ومنهم الفدائي الشبل خالد الذي أرعب الصهاينة بعملياته البطولية وأعياهم لدرجة أن كل واحد منا داعب خياله أنه سيكون يوماً مثل ذلك الشبل البطل، فيطير نحو فلسطين.. ونصرخ: كلنا فدائيون..

أما الأستاذ (أبو ماضي) – نسيتُ اسمه الأول- فقد حوّل دروس الجغرافيا إلى خارطة دائمة معلقة بالصف عرّفتنا وأجبرتنا على حفظ مواقع قرانا ومدننا عن ظهر قلب.. حتى وإن كان الدرس عن الكونغو أو الصين أو سيبيريا لا تدري كيف يقود الحديث نحو جبال الجرمق والقدس ونابلس أو مرج ابن عامر وبطاح الجليل، والنقب.. وفِي كل درس يسأل كل طالب: أنت من أي بلد بفلسطين؟ ويسهب بالحديث عن قرية كل واحد منا بحبٍ تنتقل إلينا حرارته وتمنحنا طاقة عجيبة (طبعا يا ويله اللي ما بعرف اسم قريته .. فذاك الكفر بعينه ويبدأ الأستاذ بشتمه وشتم اللي خلّفوه). 

أما أستاذ التاريخ والاجتماعيات أحمد عودة (من فرعم قضاء صفد وليس من بلدنا لوبية)، كان مثالاً للأناقة والرقي، لا يأتي إلى الصف إلا ببدلة رسمية أنيقة وكأنه ذاهب إلى حفلة أو اجتماع رسمي، كانت دروس التاريخ لديه حكاية أخرى: كل تاريخ الدنيا من وجهة نظره يبدأ وينتهي في فلسطين، طبعاً عرفنا منه كتاب الشيخ مصطفى مراد الدباغ "بلادنا فلسطين" وكان يُحضر معه باستمرار جزءاً من ذاك الكتاب المكتوب قبل النكبة وبعدها والمكوّن من أحد عشر جزءاً ... وعرفنا منه ماذا تعني منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجامعة العربية والقرارات المتعلقة بفلسطين من أيام ثورة 1936 والنكبة والنكسة... كل ذلك ونحن طلاب في الصف الثامن أو التاسع!!! (يتبع)

فصول من سيرة مخيم اليرموك  2

بقلم د. ثائر عودة / دمشق

أما أستاذ اللغة الإنجليزية في الصف الأول الإعدادي في إعدادية المالكية فكان مختلفاً عن باقي الأساتذة في كل شيء حتى في اسمه (بريك) نسيت اسمه الأول.. لم يكن من سكّان المخيم وربما من منطقة ركن الدين في دمشق التي سكنها عدد من الفلسطينيين معظمهم من مدينة صفد وقضائها.. نعود للأستاذ (بريك) الذي كان أنيقاً ومُوَسوساً بالنظافة يكره الطلاب المنكوشي الشعر أو المتسخي المراييل.. يرسم على السبورة بمسطرته الطويلة أربعة أسطر مستقيمة ملونة جميلة مثل تلك التي على دفتر اللغة الإنجليزية الذي توزعه علينا الأونروا ويبدأ بكتابة حروف اللغة الإنجليزية (كابتل وسمول) مقطّعة وموصولة ثم يطلب منا أن نرسمها مثله تماماً..

وكان دافعنا لتعلم هذه اللغة الجديدة عاملين، أولهما: الرغبة الشديدة في تعلّم لسان جديد يمثل لنا نقلة مختلفة عن السائد في باقي الحصص الدراسية.. حيث كان القائمون على سياسة التعليم في سورية في ذاك الوقت يَرَوْن أن تعليم اللغة الأجنبية (إنجليزي أو فرنسي) يجب أن يبدأ بعد انتهاء المرحلة الابتدائية (الصف السادس) وأظنهم كانوا على صواب لأني وبعد مرور زمن طويل قرأت فيه لكثير من التربويين الغربيين المتخصصين في تعليم اللغات بأنه يجب تدريس اللغة الثانية بعد إتقان الطفل للغته الأم إتقاناً كاملاً (قراءة وكتابة وتحدّثاً) .. وكم استغربت عندما تغيرت هذه السياسة في التعليم في قادم الأيام حيث أصبح التلميذ يدرس اللغة الأجنبية الأولى في الصف الثاني أو الثالث ثم يدرس لغة أجنبية ثانية قبل إتمامه الصف التاسع.. ربما لأنّ من استلم التعليم لاحقاً كان من الجيل الذي درس بالغرب وانبهر به، وبحجة التطوير ومواكبة العالم والتخفف من العبء القومي الذي تعد اللغة العربية ركيزته الأولى.. 

أما العامل الثاني الذي جعلنا نتعلم هذه اللغة فهو الخوف بل الرعب من الأستاذ (بريك) الذي كان مجرماً في التعامل مع المقصرين في كتابة الواجبات أو حفظ الكلمات الجديدة وبمجرد أن يبدأ بتحسّس سوار ساعته الجلدي استعداداً لخلعه ثم خلع نظارته ووضعها على الطاولة فاعلم أن مجزرة ستحدث، مدعوماً بجسده الرياضي الممشوق.. كل هذا الاختلاف في شخصية الأستاذ (بريك) لم يمنع فلسطينيته من الانتشار في الصف حين يبدأ الحديث عن إتقانه هذه اللغة من أيام فلسطين.. ويبدو أنه كان من سكان إحدى مدن فلسطين المختلطة.. المهم أننا رغبنا منه ومن غيره في تعلم هذه اللغة وكنا نفرح كثيراً عندما نكتب أسماءنا أو نقول جملة تامة بتلك اللغة..   

واللافت أنّ علاقة الفلسطينيين بهذه اللغة غريبة يحبونها ويكرهون أصحابها، فأغلب مثقفي ومتعلمي تلك الفترة كانوا يجيدونها وهناك كثير من الشباب اختصوا بها بعد أن درسوها في كلية الآداب، ومن أبرز هؤلاء اللامعين الأستاذ الدكتور محمد توفيق البجيرمي الذي كان بلا منازع نجم قسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب في جامعة دمشق والأستاذ الدكتور إبراهيم يحيى الشهابي الذي درّسنا هذه اللغة في قسم اللغة العربية في السنة الرابعة في كلية الآداب في جامعة دمشق، وغيره من الأكاديميين الذين كانوا أغلبية في الهيئة التدريسية في قسم اللغة الإنجليزية (سنعود إلى الحديث عنهم لاحقاً)، إضافة إلى الناقد الفذ يوسف سامي اليوسف الذي ترجم روائع الشعر الإنجليزي والأمريكي.. وقبل هؤلاء وبعدهم الأديب الاستثنائي جبرا إبراهيم جبرا الذي أَسّس وفِي وقت مبكّر جداً قسم اللغة الإنجليزية في جامعة بغداد وتلميذه الكبير الدكتور محمد عصفور الذي ترجم إلى العربية رواية جبرا الشهيرة (السفينة) التي كُتبت باللغة الإنجليزية.. والقائمة تطول وتطول.

ليس هذا فحسب بل إن كثيراً من كبار السن من أبناء شعبنا كان يعرف تلك اللغة.. وكم كنت أستغرب من جدي مرزوق أو جدي محمد علي الكفري وسواهما وهم يتكلمون في مجالسهم ببعض المفردات التي تعلموها من المحتل البريطاني لبلادنا.. مع إجماعهم على مَثلٍ كان يردده جدي مرزوق دائماً: الإنكليز مثل البرد سبب كل علة..

فصول من سيرة مخيم اليرموك  3

بقلم د. ثائر عودة / دمشق

أما الأستاذ (إسماعيل حاج عبيد) مدرّس اللغة العربية في إعدادية المالكية فكان حكاية أخرى في إخلاصه لفلسطين... أسهم في تكويننا بشكل عام وتكويني بشكل خاص، هل أحدثكم عن نسبه أولاً؟ فجده هو أحد الرجال الأبطال الذين جاؤوا من مدينة جبلة السورية مع الشيخ عز الدين القسّام الذي قاد المجاهدين في فلسطين في ثورة 1936 واستشهد في منطقة يعبد- جنين بعد معركة ضارية مع المحتل البريطاني، وبقيت عائلته في فلسطين ولجأت إلى سورية بعد النكبة ولم تصحّح وضعها القانوني وتطلب الجنسية السورية.. عاشت في مخيم اليرموك عائلة فلسطينية بامتياز.. ولم يكن الأستاذ (عبيد) يحدثنا عن جده إلا بوصفه بطلاً عاش وجاهد واُستشهد في سبيل فلسطين.. فعرفنا القسّام منه قبل ظهور كتائب القسّام بسنوات طوال دون ادّعاء فارغ بالنسب والأجداد السوبرمانيين على طريقة بعض الفلسطينيين الذين كانوا ينفخون في كثير من الأحيان ببطولات أنفسهم أو آبائهم و(يجلخون) كل كذبة أضخم من الثانية.. ورحم الله جدي مرزوق الذي كان (يفلتر) لنا كثيراً من قصص الكذب التي كانت تُروى في مضافته من بعض اللوابنة وبشكل استعراضي حين يواجه المتحدث مباشرة ويقول له أمام الجميع: هل يحق للمظرط أن ينتقد المجاهد.. أو إنت يا أبو الفصوص وين كنت تجاهد؟!

عرفنا من الأستاذ (عبيد) عن أدباء فلسطين الكبار غسان كنفاني وأبو سلمى وإبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود ويوسف الخطيب ودرويش وسميح القاسم وفدوى طوقان ومعين بسيسو وتوفيق زياد وسواهم.. كان يتلذذ وهو يلقي أشعارهم ويطلب منا أن نحفظها.. وللتاريخ كانت مناهج التعليم في سورية مليئة بأشعارهم من الصف الأول الابتدائي إلى الثالث الثانوي، وكأن من كان يضع تلك المناهج فلسطينيون أو سوريون يؤمنون بفلسطين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.. ومازلت أذكر أن مجموعة الشهيد غسان كنفاني القصصية (أرض البرتقال الحزين) كانت مقررة كاملة بقليلٍ من التصرّف في الصف الثامن تحت عنوان (حقّ لا يموت).. ولك أن تتخيل كيف أنّ كلّ طلاب سورية عربها وغير عربها من أقصى شمالها وشرقها إلى أقصى جنوبها وغربها درسوا كنفاني وفلسطين مع بداية تفتح وعيهم ومراهقتهم.. ومازلت أذكر وبعد ما يقارب خمساً وأربعين سنة قصة منصور الذي استعار بندقية خاله وشرّق إلى صفد ليقاتل الإنجليز، ولا يغيب عن ذاكرتي إعجاب الأستاذ (عبيد) بمقدرة الشهيد كنفاني على وصف جمال صفد عندما أشرف منصور على تخومها.. ذلك الإعجاب انتقل إلينا بطبيعة الحال وبقي في ذاكرتنا.

ومن الأستاذ (عبيد) عرفنا جماليات الخط العربي فقد كان يجيد كل الخطوط وخاصة الرقعة والنسخ والديواني.. وكنا نقلده بل كان يفرد حصة أسبوعية لتعليم الخط العربي.. ومنه وبسببه أصبح كثير منا يتقن تلك الخطوط وخاصة الرقعة والنسخ.. 

وأذكر من هؤلاء الأساتذة في إعدادية المالكية أيضاً أستاذ اللغة العربية (أحمد مفلح) الذي كان في نهاية كل حصة وبعد أن يفرغ من تدريس الجمل التي لها محل أو لا محل من الإعراب في الصف التاسع.. يستلّ من حقيبته الجلدية العتيقة قصيدة من قصائده التي تتحدث عن فلسطين أو الشهيد أو الفدائي ويلقيها علينا بانفعال وكأنه في ملتقى شعري أمام جمهور متذوق للشعر وصوره وموسيقاه.. ولا أنسى كيف أهدى الأستاذ (مفلح) بعضنا ديوانه الأول (قناديل طبرية الصادر سنة 1977) المليء بقصائد التمجيد للأرض والفدائي والشهيد.. واحتفظت بتلك النسخة إلى وقت طويل، وعلى الرغم من أنني حصلت فيما تلا من أيام على كتبٍ كثيرة مهداة من شعراء وروائيين وقصّاصين إلا أنني مازلت أعدّ ديوان (قناديل طبرية) أثمن هدية حصلت عليها في حياتي..(يتبع)

بقلم : د. ثائر عودة 

 تكاد لا تذكر نسبة تسرّب الطلاب من مدارس الأونروا في تلك المرحلة، ونادراً ما كان صبي يترك المدرسة قبل الثالث الإعدادي، تلك المرحلة الفارقة في مستقبل هؤلاء الأولاد الصغار لأن امتحان إنهاء هذه المرحلة كان صعباً بسبب الطنة والرنة واللجان الامتحانية والمراقبين والمشرفين على مستوى سورية بأكملها ونتائج الناجحين وأسمائهم التي تتصدر الصحف الرسمية، والفضايح على مستوى البلد كلها... لقد كانت مرحلة فاصلة لأنّ هناك مجموعاً محدداً من الدرجات إذا لم يحصل عليه الطالب لا يحق له متابعة المرحلة الثانوية.. فيتوقف تحصيله العلمي عند هذه المرحلة.. ولأنّ ثمة خططاً تربوية على مستوى البلد كانت ترى أنه يجب تفعيل التعليم المهني (الصناعي والتجاري) وكانت ترى في استراتيجياتها، المدروسة أو غير المدروسة لا أدري، أنّ البلد بحاجة إلى التعليم المهني التطبيقي أكثر من التعليم العام التجريدي.. وفِي كل سنة تُرفَع نسبة الدخول إلى التعليم الثانوي حتى بلغت في إحدى السنوات 80 %.. وأظن أنّ هذه السياسة التعليمية اُقتبست أو تطابقت مع سياسة مركز التدريب المهني (VTC) التابع لوكالة الأونروا التي كانت توقف دعمها لتعليم الفلسطيني عند الثالث الإعدادي وترى أنه يجب أن يتوقف عن التعليم العام ويتجه بعد نيله الشهادة الإعدادية، وبغض النظر عن مجموعه فيها، إلى المركز المهني ليدرس سنتين فقط ومجاناً، فيتعلم مهنة تطبيقية؛ نجار- ميكانيكي- كهربائي... وغيرها ليصبح قادراً على الإنتاج وإعالة نفسه وربما عائلته.. ولا علاقة مالية للأونروا إن قرر ذلك الفلسطيني أن يتابع دراسته الثانوية والجامعية بعد ذلك. (هل كانت سياسة غربية صهيوأمريكية مدروسة لمستقبل الفلسطيني؟ ربما) وأعرف كثيراً من الطلاب الذين أجبروا على الذهاب للـ (VTC) عادوا بعد ذلك إلى تقديم الثانوية العامة (أحرار) ونجحوا وتوجهوا إلى الجامعة وحصلوا على شهادات جامعية إضافة إلى تلك الشهادة المهنية.. 

 إصرار عجيب على العلم جعل نسبة الفلسطينيين المتعلمين من أعلى النسب على مستوى سورية وكثير من الدول العربية إن لم يكن على مستوى العالم في مجال التعليم .. فلا تكاد تمرّ سنة إلا وفلسطيني أو فلسطينية من أوائل الناجحين على مستوى سورية كلها في الشهادتين الإعدادية والثانوية.. حتى أصبح لدى المخيم فائض من المتعلمين والمثقفين.. وعلى رأي أحد أصدقائنا الظرفاء: إذا رميتَ حجراً في أي حارة من حارات المخيم فسيسقط على رأس طبيب أو صيدلاني أو مهندس أو محامٍ أو معلم أو أستاذ جامعي... أعمدة الكهرباء تتعربش عليها لافتات أطباء الجراحة والقلب والعظام والأسنان والمحامين وباقي التخصّصات.. بين الصيدلية والصيدلية صيدلية.. مستشفيات.. مختبرات طبية.. معاهد تعليمية.. مراكز ثقافية.. 

 وكان من نتائج ذلك كله أن أنتج المخيم نخباً انفتحت على الثقافات الكبرى والإيديولوجيات التي تملأ العالم، فتجد اليساري واليميني والليبرالي والقومي والشاعر والقاص والروائي والمسرحي والناقد والفيلسوف والسينمائي والممثل والمطرب والإعلامي والفنان التشكيلي والخطّاط والطبيب والمهندس والمعلم والأستاذ الجامعي.. نخبٌ تتلوها نخب انطلقت من زواريب المخيم وشوارعه التي تغصّ بالحفر لتترك بصمات على امتداد دمشق بل سورية والعالم في الجامعات والوزارات والمؤسسات الحكومية والسينما والمسرح والتلفزيون واتحاد الكتّاب ونقابات الصحفيين والأطباء والمهندسين والمحامين.. ومعظم تلك النخب تعلمت في تلك المدارس وتتلمذت على أيدي هؤلاء المعلمين الأوفياء للوطن واللاجئين... 

 وكانت نسبة التسرٌب حتى نهاية المرحلة الإعدادية تقريباً صفراً.. لعدة أسباب أولها إخلاص كل أولئك المعلمين وكفاءتهم وحرصهم على تعليم أبناء جلدتهم وكأنهم أبناؤهم. وأذكر أنّ أغلب المدرسين كانوا يعرفون أولياء أمور معظم الطلاب معرفة شخصية وإذا ما أخطأنا أو قصّرنا فإن ذلك سيكون حديث السهرة في مضافة جدي وجد غيري أو أمام بقالة أبو زهير الشهابي في شارع صفد أو أي بقالة أخرى في كل شارع من شوارع المخيم، ويكون المعلّم في صدر تلك السهرات والاجتماعات له احترامه المبالغ فيه والكل يخاطبه بالأستاذ قبل اسمه المجرد.. ولا أذكر أنّ جدي مرزوق خاطب الأستاذ الناقد يوسف سامي اليوسف يوماً باسمه المجرد عندما كان يتردد إلى مضافته على الرغم من صلة القرابة بينهما، وكذلك الأستاذ الشاعر والمربي عاطف حياتله أو غيرهما حين يُقدّم لأي منهم فنجان القهوة العربية مشفوعاً بعبارة: تفظل أستاذ...أو شو رأيك أستاذ بما يحدث؟. يتبع ..

 

 

 

فصول من سيرة مخيم اليرموك 5

بقلم د. ثائر عودة   

ولم يكن يعني هؤلاء المعلمين أي فلسفات تربوية أو فذلكات وبرامج تطوير مهني من مؤسسة التعليم في الأونروا كما لم يكن يعنيهم تحقيق نسب عالية في عدد الناجحين في مدارسهم، ولا أذكر أنّ أي مدير من أمثال (سليم عقاب أو موسى شحادة) في المدارس الإعدادية الثلاث في المخيم (المالكية والكرمل والقسطل) (نسيت اسم المدير الثالث في تلك المرحلة) كان يعنيه سباق النسب كما حدث لاحقاً مع المدراء والأساتذة من الجيل التالي في تلك الإعداديات الذين أصبح همهم الفوز بنسبة كاملة من الطلاب الناجحين إرضاء للمسؤولين في الأونروا أولاً وقبل كل شيء، ولو كان ذلك على حساب التخلص من الطلاب الضعاف، فإذا ما رسب أي طالب فيما يُعرَف بـ(الاختبار التجريبي) قبل الاختبار الرسمي العام للشهادة الإعدادية فإنه يُستبعَد من الترشّح باسم المدرسة كيلا يؤثر على نسبة النجاح فيها، وفي حالات أقسى كانت إدارة الإعداية ومعلموها لا يرفّعون ذلك الطالب من الصف الثامن لأن مستواه ضعيفٌ، تحسباً لخسارة تلك النسبة فيبقى راسباً في الصف الثامن، وكم من طالب ترك المدرسة بعد أن رسب في الصف الثامن لأن أهله لا يملكون رفاهية أن يمنحوه فرصة الإعادة وإتمام الدراسة!! وكم صرخ كثير من الغيورين على مصلحة أبناء شعبنا بأن ترأف تلك الإدارات بالطلاب الضعاف علمياً وتتركهم يصلون إلى امتحان الشهادة العامة والباقي على الطالب.. أسوة بنظرائهم من الطلاب في المدارس الحكومية.. لكنهم لم يسمعوا إلا لصوت رواتبهم وشهادات التقدير والاستحسان التي سيحصلون عليها من إدارة التعليم بالأونروا.. 

لقد اختلفوا عن ذلك الجيل من المعلمين الذين لم يكن يعنيهم موضوع الدعاية الزائفة بتفوق مدرسة ما على غيرها.. بينما لم يكن يعني ذلك إطلاقاً الكثير من المدارس الإعدادية التابعة للحكومة، وكثيراً ما كنّا نقرأ في النتائج العامة الصادرة في الصحف الرسمية مدرسة كذا أو كذا (لم ينجح أحد)!! وكان الأمر عادياً بخلاف مدارس الأونروا التي أصبح همها رضا إدارة التعليم بالأونروا ولو كان ذلك على حساب أبناء شعبها الذين قُضي على مستقبل معظمهم في الصف الثامن تحديداً.. وكثير من المعلمين الأوائل الأوفياء الذين لم ترق لهم هذه السياسة قدّموا استقالاتهم وتركوا التدريس بسياسته المقرفة الجديدة الخالية من أيّ حسّ وطني أو انتماء لمجموع اللاجئين..

وكان من النتائج الكارثية الأخرى لهذه السياسة التنافسية الزائفة التي اتبعتها إدارة التعليم بالأونروا على الصعيد التجاري، هي بداية ظهور المعاهد التعليمية الخاصة التي تقدّم دورات التقوية في المواد الرئيسية.. وكم ضحكنا واستغربنا عندما رأينا إعلان أول معهد تعليمي (معهد دلال المغربي، السمو لاحقاً) على جدران المخيم بخطّ الخطاط الوحيد أو شبه الوحيد وقتها عدنان عودة.. وقد اختار صاحب المعهد (جهاد الصعبي) اسماً وطنياً برّاقاً ليجذب انتباه الطلاب وآبائهم وكذلك فعل صاحب معهد آخر سمٌاه معهد القدس (يمكن هذا المعهد أقدم بقليل من معهد الصعبي، وصاحبه من بيت درويش على ما أظن ونسيت اسمه الأول.).. بل ذهب صاحب معهد آخر في وطنيته إلى ما هو أبعد من ذلك بأن أطلق اسم فلسطين كلها على دكانه أو معهده (يمكن صاحبه راتب شهاب) وآخر دبّ فيه الحماس ليرخّص لثانوية خاصة سمّاها ثانوية العودة (صاحبها تاج الدين العم علي وأخوه أو شيء من هذا القبيل على ما أظن) وأنا هنا لا أشكك بوطنية أي واحد من هؤلاء أو من تلاهم من أصحاب المعاهد التعليمية التي تكاثرت بشكل غير معقول، إلا أنّ الجانب التجاري في هذا العمل كان الدافع الأول قبل فلسطين وأبنائها.. وقد حاولت بعض الفصائل الدخول على هذا الخط وتقديم دورات تعليمية بأسعار رمزية مدعومة من قادة تنظيماتها من مثل (معهد الشبيبة التابع لحزب البعث أو المعهد التعليمي التابع لحركة فتح)، صحيح أنه لم يكن دافعهم تجارياً أبداً بل خدمة أبناء شعبهم (على الأقل معهد "ماجد أبو شرار" ومديره الصديق أبو علي الرفاعي الذي عرفته عن قرب في أوائل التسعينيات وكذلك الأستاذ نايف عودة مدير معهد الشبيبة) وإن كان دافعهم خدمة أبناء شعبهم إلا أنه كانت تراودهم فكرة استقطاب المزيد من الأنصار وضمهم إلى تنظيماتهم.. لكنهم لم يستطيعوا المنافسة مع تجار المعاهد الأخرى التي استقطبت نجوم التدريس في مدارس الأونروا أو الحكومة بينما اقتصرت معاهد التنظيمات على اختيار أساتذة الصف الثاني أو الثالث الذين كانت أجورهم بسيطة فلم يقدروا على المنافسة.. وقد انتشرت وتكاثرت تلك المعاهد حتى امتلأت حارات المخيم الرئيسية والفرعية بالعشرات، منها وتحوّل الأمر فيما تلا من سنوات إلى تجارة رائجة ومجزية وتنافسية أرهقت الفلسطينيين الفقراء المصرّين على متابعة أبنائهم لتحصيلهم العلمي، وأصبح كثير من أولياء الأمور يؤرقهم تأمين الزاد المالي وتغطية الأكلاف لأولادهم قبل أن يصلوا إلى الثالث الثانوي، فيبدؤون بتجهيز عدتهم المالية مبكراً ويؤرّقهم ذلك أكثر من تجهيز متطلبات زواج أبنائهم أو بناتهم..(يتبع)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (6) 

بقلم د. ثائر عودة

طبعاً وبالتزامن مع تكاثر تلك المعاهد نشطت موجات الدروس الخصوصية ذات الطابع التجاري لا الوطني والتي لم نكن نسمع بها زمن معلمينا الأوائل الذين كانوا يقدّمون دروس التقوية إن لزم الأمر في مدارس الأونروا قبل بداية الدوام الدراسي أو بعده وبالمجان.. إلا أنه ومع صعوبة الاختبارات في الشهادتين الإعدادية والثانوية بفرعيها العلمي والأدبي وخوف أولياء اللاجئين على مستقبل أبنائهم جعلهم يرضخون إلى هذه التجارة التي راجت وتكاثرت وخاصة قبيل الاختبار النهائي بشهر أو يزيد.. ونمت فئة من المدرسين لا هم لها إلا المال لا يؤرقها مصير أبناء شعبها أو البحث عن حلول مساعدة لهؤلاء الفقراء ذوي المستوى العلمي المتوسط أو الضعيف.. أذكر أن أغلب المدرسين الأوائل كانوا يعطون دروس تقوية إن لزم الأمر مجاناً وخجلاً أحياناً من ولي الأمر الذي يكون في أغلب الأحيان قريباً أو صديقاً، فيلعب عامل الخجل وحب التعليم والإخلاص للاجئين دوراً في تقديم المساعدة الخالصة من أي جانب مادي..

وكذلك كان الطلاب الكبار في العائلة أو من الجيران يدرّسون أو يساعدون من هم أصغر منهم، أي أنّ ابن الثانوي يساعد ابن الإعدادي وابن الجامعة يساعد ابن الثانوي في جو مليء بروح الوطنية وحب الجميع وشغفهم في الحصول على التعليم والوصول إلى الجامعة.. وكان طالب الجامعة في نظر أهله وجيرانه ذا شأن ومثقفاً وقادراً على تأدية خدمات تعليمية كافية وضرورية لمن هو في التعليم العام سواء كان ذاك الطالب أخاه أو ابن جيرانه أو جيران جيرانه.. وأذكر أني ومنذ سنتي الأولى في قسم اللغة العربية في الجامعة كنت أدرّس خالي وابن خالته اللذين كانا في الصف التاسع، وابن جيراننا الذي كان في الثانوية العامة الأدبية وابن عمتي وابن بنت عمي وابن ابن عم أبي وهكذا دواليك ولم أكن فريداً أو ظاهرة غريبة في ذلك، بل هي حالة عامة مع كل الأقارب والجيران.. خلايا متناسلة تدفع بعضها البعض نحو التعليم دون حسابات مالية إطلاقاً..

واللافت في انتشار الدروس الخصوصية وتلك المعاهد هو بقاؤها على قيد الحياة وامتلاؤها نتيجة أعداد الطلاب المشغّلين لها إذ ازداد أعداد المنتسبين إليها بل استقطبت الطلاب من جوار المخيم الذين تغيّرت توجهات أوليائهم نحو التحصيل العلمي، ربما بدافع التطور العام في البلد أو بدافع الغيرة من أبناء اللاجئين الذين نجحوا وتميزوا.. بل نشط بعض تجار تلك المناطق وفتحوا معاهد في مناطقهم (ببيلا- الحجر- الزاهرة -الميدان) واستقطبت كثيراً من نجوم المعلمين في معاهد المخيم، بل إن بعض أصحاب المعاهد بالمخيم هم من اقتحموا تلك المناطق وفتحوا تلك المعاهد بمفردهم أو بالاشتراك مع تجارٍ من أبناء تلك المناطق.

وإذا كان البعض يرى في ذلك ظاهرة إيجابية نشرت العلم بين أبناء المخيم وجواره إلا أنها في جوهرها ظاهرة تجارية بالدرجة الأولى كونها لم تقدّم أي معونات تعليمية للاجئين وسواهم بالمجان.. ولم يكن يعنيها أحوال غير القادرين على دفع المال مقابل العلم، كما أننا لم نشهد أي مبادرة تعليمية خالصة من المال تجاه أي من هؤلاء الفقراء ... وهنا يقودنا الحديث في عجالة عن دور الفصائل والمنظمات الفلسطينية التي كانت لها علاقات جيدة مع الاتحاد السوفيتي وبعض دول أوروبا الشرقية أو الباكستان والهند وكوبا وسواها، وكانت تحصل على منح جامعية مجانية من تلك الدول فتوزّع معظمها على أبناء الفصيل المقرّبين من القيادات أو على أقاربهم ومعارفهم (علاقات مشبوهة في معظمها) وقد نتج عن ذلك فشل أغلب مَن ذهب للدراسة في تلك البلاد لأن اختيارهم أصلاً لم يكن قائماً على معايير المفاضلة بين الكفاءات، وكم من خرّيج ثانوية عامة أدبي وبمجموع درجات متواضع أو بشهادة ثانوية لبنانية (مزوّرة) ذهب ليدرس الطب البشري أو طب الأسنان والصيدلة والهندسة في الاتحاد السوفيتي وغيره من دول أوروبا الشرقية، والحديث عن ذلك يطول..(يتبع)


بقلم : د. ثائر عودة 

ومن بين الأسباب الرئيسية لمنع التسرّب من التعليم هو حرص أولياء الأمور الفقراء على تعليم أبنائهم مهما كلفهم ذلك، والعجيب أن أغلبهم كان غير متعلم ويا دوب يفك الخط، إلا أنه استقر في أذهانهم أن الخلاص من حالة الفقر والتشرّد سيكون بالتعليم فهو خشبة النجاة، وأن فلسطين بحاجة إلى جيل من المتعلمين المثقفين لأن من ضيَّع فلسطين هو الجهل الذي سيطر على أبناء الفلاحين.. لذلك لم يترك هؤلاء الآباء أي وسيلة لمتابعة تعليم الأبناء ولسانهم يردّد دائماً: (ادرسوا يابا ولو بقطع من لحمي ما بهم).. أو صراخ الأم على ابنها: (لا تطولش بالشارع العب شوي وارجع لدروسك ووظايفك)... وتجد كثيراً من عائلات المخيم لا تملك قوت يومها ومع هذا تدفع بالأبناء نحو إكمال التعليم..

وللحقيقة فقد ساعد في تحقيق هذا الهدف مجانية التعليم في سورية ابتداء من الأونروا ثم المرحلة الثانوية والجامعية، وقد كان الفلسطيني يعامل معاملة السوري في كل شيء في جانب التعليم وفي كثير سواه وما يدفعه من مال شيء لا يكاد يُذكر.. وهذا أيضاً وللأمانة التاريخية ينطبق على كل عربي درس في سورية وفِي أي مرحلة دراسية.. وساعد على ذلك أيضاً جدية الشباب الفلسطيني الذي استشعر بأهمية الهدف وعبء المسؤولية الملقاة على عاتقه.. ابتداء من الصف العاشر لأنه كان على الطالب أن يتجه إلى ثانوية الكواكبي الأقرب إلى المخيم قبل افتتاح ثانوية اليرموك للذكور والإناث في منتصف السبعينات.. وكانت ثانوية الكواكبي في منطقة الميدان، تبعد بضعة كيلو مترات، ويضطر الطالب أن يذهب إليها سيراً على الأقدام حتى وإن أخذ من أبيه (ربع) الليرة أجرة الباص (رايح جاي)، فيوفر تلك القروش عليه وعلى أبيه.. كما أنه لم يترك فرصة أو إجازة إلا واشتغل فيها أي شغلة، فلم يكن مألوفاً أن يجلس الطالب في الإجازة دون عمل وليس غريباً أو عجيباً أن يحدّثك أحدهم بأنه اشتغل دهان أو بلاط أو بياع كاتو تازه أو بوظة أو جرائد في أثناء دراسته الجامعية أو ما قبل الجامعية فلا فخر ولا بطولة في ذلك لأن هذه الحال هي حال معظم أبناء اللاجئين.. 

وسأسوق هنا حكاية أو رحلة واحد من أولياء الأمور هو أبو زهير أحمد سعيد الشهابي الذي كان صاحب بقالة متواضعة قبالة بيتنا في شارع صفد، ربّى أولاده وربّانا كذلك على حب العلم والإصرار على التفوّق (كان لديه ثلاثة أولاد وخمس بنات: (زهير) أستاذ دكتور خريج موسكو في جامعة اللاذقية، و(طلال) دكتور مهندس خريج الولايات المتحدة الأمريكية في كلية الهندسة المدنية في جامعة دمشق، (نايف) مهندس مشهور ومتميّز، أما البنات الخمس فمهندسة وثلاث معلمات والأخيرة إدارة أعمال، وكان رحمه ينهرنا إذا وجدنا نلعب في الشارع أو نسند زوايا الحارات.. فيصرخ فينا أن ادرسوا وتعلموا وبلاش لعب فاضي وتضييع وقت.. 

وأمثال أبو زهير كثير في اليرموك.. ناس فقراء غير متعلمين لكنهم يحثون أبناءهم على التعليم والتفوق.. وأنا لا أريد هنا أن أتحدث عن تجربة جدي لأمي أو جدي لأبي وتجربة كل منهما مع أبنائهما أو أحفادهما لكيلا يكون الحديث شخصياً يخالطه نوع من التباهي بأجدادي وأعمامي وأخوالي، ويكفي أن أقول إن جدي لأمي (محمد علي الكفري) كان لديه سبعة أولاد وسبع بنات منهم الطبيب الناجح في المخيم، طبيب الفقراء كما سمّاه البعض (د.حسين الكفري) الذي درس الطب في بولندا وتفوق هناك وعاد إلى اليرموك، ومنهم ثلاثة أساتذة ومخبري، والبنات كلهن إجازات جامعية ومعلمات ما عدا أمي (كبيرة العائلة التي اكتفت بتعليمها الابتدائي فأصبحت معلمتي الأولى في الصفوف الابتدائية علّمتني القراءة والكتابة والحساب) وكذلك جدي مرزوق له من الأولاد تسعة، منهم المهندس المدني (أمين) والمعلم (علي) (مدير مدرسة لاحقاً) والضابط في الجيش والرسام والخطاط.. وكما أسلفت هذه الحالات ليست استثنائية (لوبانية فقط) بل هي حال معظم الأسر في اليرموك؛ الأب عامل بسيط له من الأبناء العديد ومعظم أبنائه وبناته متعلمون (أطباء- مهندسون- محامون - معلمون- أساتذة جامعات...(يتبع)

د. ثائر عودة

ولو أجرينا مقارنة سريعة أو متأنية حول نسبة المتعلمين والمثقفين بين مخيم اليرموك وجواره شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً فلن نجد أي مجال للمقارنة وخاصة بالتوجّه للدراسة الجامعية.. فمع انتهاء المرحلة الثانوية يتدفق طوفان الناجحين من اللاجئين إلى كافة فروع جامعة دمشق وغيرها من الجامعات السورية مقابل عدد محدود من يلدا أو ببيلا أو التضامن أو الحجر الأسود أو القاعة أو الزاهرة والميدان... وللتاريخ أقول إن سورية فتحت قلبها وأبواب جامعاتها لهؤلاء اللاجئين وعاملتهم معاملة السوري ابن البلد ودرسنا جميعنا بالمجان مثلنا مثل أبناء البلد. ولو جمعت أعداد الطلاب الناجحين في الإعدادية أو الثانوية من كل المناطق المجاورة للمخيم فلن يساوي عددهم أعداد الطلاب الناجحين في المخيم ولا أبالغ في ذلك.. على الرغم من أن معظم هؤلاء الطلاب درسوا في الثانوية نفسها، وخاصة قبل افتتاح ثانوية اليرموك في المخيم.. إذ كانت ثانوية الكواكبي في حي الميدان الثانوية الوحيدة التي درس فيها معظم أبناء المخيم مع عدد محدود من يلدا والميدان، وزادت الفجوة اتساعاً بعد افتتاح الثانويتين في المخيم، واحدة للذكور وأخرى للإناث وكان أكثر من تسعين بالمئة من كادرها الإداري والتدريسي والطلابي من أبناء اليرموك، وعلى رأسهم الأستاذ المخلص محمد شحادة الشهابي مدير أول ثانوية (لا أعرف اسم مديرة ثانوية اليرموك للإناث في تلك الفترة) فكان - كما أسلفت - طوفان الطلاب الناجحين وبدرجات شبه تامة يتدفق من المخيم ليملأ فروع جامعة دمشق جميعها.. ومعظمهم تخرج سريعاً وملأ معظم مفاصل العمل في دمشق وسورية بل والعالم العربي (الخليج وشمال إفريقيا) ومعروف أن كثيراً من هؤلاء الخرّيجين اتجهوا للعمل في الخليج منذ مطلع السبعينيات وأسهموا في نهضة تلك البلاد (السعودية والإمارات بشكل خاص والكويت والبحرين وقطر وعُمان بدرجة أقل حيث سبقهم إليها فلسطينيون من غزة والضفة تخرّجوا في الجامعات المصرية أو اللبنانية). 

وعندما أقارن بين طلاب اليرموك وجواره فأنا هنا لا أنتقص من دور الطلبة السوريين لأن منهم بالتأكيد الكثير من المتفوقين والبارزين .. ولكني أقرر حقيقة يعرفها جيداً الجيل الأول من أبناء جوار المخيم، وأذكر أنني عندما التحقت لأدرّس في ثانوية (ببيلا) للبنات مطلع التسعينيات فاجأني أحد الأساتذة القدامى، الأستاذ نصوح سبيناتي (وهو مدرّس رياضيات قديم من يلدا، بل ربما يكون من الطلاب القلائل من أبناء بلدته الذين درسوا في ثانوية الكواكبي مع عدد كبير من فلسطيني المخيم أواخر الستينيات) ليقول لي: بتعرف أنه من درّسني في الابتدائي والإعدادي والثانوي هم أساتذة فلسطينيون.. الأستاذ فلان والأستاذ فلان.. ويستغرق في ذكر أفضال هؤلاء الأساتذة، ويقرر حقيقة فيقول: أول إعدادية في يلدا مديرها فلسطيني.. بالمناسبة لا يوجد حتى يومنا هذا ثانوية في يلدا.. (يتبع)

حتى لحظة التحاقي في العمل مدرّساً للغة العربية أواخر الثمانينيات كان مدراء المدارس الإعدادية والثانوية في معظمهم فلسطينيين ابتداء من المخيم مروراً بيلدا وببيلا وسبينة وحجيرة إلى آخر قرية عند مطار دمشق هذا فضلاً عن ثانويتي اليرموك للبنين والبنات: مدير إعدادية يلدا الوحيدة هو الأستاذ عادل أبو إصبع.. مدير ثانوية ببيلا للذكور (ثانوية الثورة) الأستاذ مروان كتمتو.. مديرة ثانوية ببيلا للبنات الأستاذة نادية البدوي، ونتابع خط السير شرقاً، مدير ثانوية السيدة زينب الأستاذ عبد تميم (أبو هنادي) وقبلها عقربا وبيت سحم وغيرها من القرى حتى آخر قرية في الغوطة الشرقية قبل مطار دمشق (قرية الهيجانة) كان مدير إعداديتها فلسطيني من بيت (غنّام) نسيت اسمه الأول، وكنتُ قد درّست فيها حوالي الشهر، ولم أستطع أن أستمر لبعد المكان عن اليرموك وعن الجامعة حيث التحقت بدبلوم الدراسات العليا لدراسة الماجستير في قسم اللغة العربية - كلية الآداب وما يترتب عليه من أعباء في الوقت والمال لا أقدر على تحملها آنذاك، ولا أنسى في هذا السياق فضل المربّي الفلسطيني الرائع (طلّاب خطَّاب أبو سلطان) الذي كان الموجه الأول لمادة اللغة العربية في وزارة التربية الذي ساعدني في الانتقال من الهيجانة إلى ببيلا، وأياديه البيضاء كثيرة عليّ وعلى غيري من المعلمين، وللعلم فإن الأستاذ (طلّاب خطاب) كان قبل هذا المنصب قد شغل منصب مديرٍ للمدرسة الوحيدة في الدرباسية شمال سورية وبعدها مديراً لعدد من الثانويات التابعات لمحافظة درعا، منها: ثانوية إزرع وثانوية الشيخ مسكين، ثم مديراً لثانوية الكواكبي، وبعد ذلك مديراً لمعهد دار المعلمين ومديراً لمعهد إعداد المدرسين بدمشق، إلى أن انتهى به المطاف ليصبح الموجه الأول لمادة اللغة العربية في وزارة التربية، وأغلب أبنائه أطباء ومهندسون، وكان خدوماً لكل من يقصده وحازماً في تنفيذ المهام الموكلة إليه نشيطاً في عمله.

وفي العودة إلى طلاب تلك القرية (الهيجانة) فأقول إن عدم حبهم للتعليم جعل أي تحفيز أو دافعية لا ينفع معهم، وهذه صفة عامة في أبناء القرى في ذلك الزمان وربما في كل زمان... وهذا يقودني للحديث عن سبب آخر يتعلق بجزء غير قليل من الطلاب غير الفلسطينيين وعدم اندفاعهم الشديد نحو التعليم، فمعظمهم أبناء قرى وفلاحون مطمئنون إلى أراضيهم التي تدر عليهم ما يقيهم مؤونة شقاء التحصل العلمي، كما أن التعليم ابن المدينة لكن حتى أبناء المناطق المجاورة للمخيم الذين كانوا أقرب للمدينة ومع هذا لم يكن يرغب معظمهم بالتعليم، لأن أولياء أمورهم يفضلون التجارة على العلم، وفِي رأي أغلبهم يكفي الولد أن يتعلم القراءة والكتابة وشوية رياضيات وخلص، فيستطيع بعدها أن يجلس في محل أبيه في سوق الحمدية أو مدحت باشا أو الحريقة أو البزورية أو الجزماتية أو سوق ساروجا ليبيع الأقمشة أو البزورات أو الفلافل والحمص والكرشات... أو أن يجلس في محل أبيه بعد ذلك في أسواق مخيم اليرموك الرئيسية (لوبية واليرموك وصفد) بعد أن باع معظم هؤلاء التجار الدمشقيين محلاتهم الصغيرة في سوق الحمدية أو مدحت باشا أو منطقة الحريقة واقتحموا محلات اليرموك المتواضعة في ذاك الوقت بنصف أو ربع تلك الأموال التي باعوا فيها محلاتهم، ما ترتّب على ذلك لاحقاً ارتفاع جنوني بأسعار المحلات والبيوت في المخيم بفضل أولئك التجار، بل اغتنى كثير من الفلسطينيين بالصدفة الخالصة كون بيوتهم الصغيرة والفقيرة تقع على خط الغزو التجاري الجديد في شارع اليرموك أو لوبية أو صفد، فأصبح سعر المحل أو البيت بالملايين فجأة!! هذه العقلية التجارية لدى أولياء أمور هؤلاء الطلاب جعلت العلم والتعليم في ذيل أولوياتهم إضافة إلى عدم قلقهم لا على الهوية ولا على الوجود ولا على الرزق وهم يعيشون في وطنهم وأرضهم ولا يشعرون بأي تهديد ولا تزعجهم كلمة لاجىء التي كان يرددها أساتذتنا الأوائل: (أنت لاجىء وإذا لم تتعلم وتحصل على شهادة فلن تعمل حتى زبالاً في هذا البلد).. (يتبع)



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى