فصول من سيرة مخيم اليرموك (1)
فصول من سيرة مخيم اليرموك (1)
عندما أنجزتُ المرحلة الجامعية الأولى من حياتي (الليسانس) مش من زمان كثير، قبل أكثر من خمسٍ وثلاثين سنة، كانت لدي رغبة عارمة في التدريس ولا أدري لماذا؟ ربما بسبب حبي وتعلقي بالأساتذة الرائعين الذين درّسوني في مدارس وكالة الغوث الأونروا (ترشيحا ورأس العين والمالكية) وكان هؤلاء الأفاضل يعلموننا العلوم العامة ممزوجة بحب فلسطين بقطع النظر عن علاقة تلك العلوم بفلسطين فقد كان أستاذ الرياضيات بإعدادية المالكية (عايد العايدي) حين يختبرنا بنظرية فيثاغورث وتالس ومعادلات الجبر وبنات عمّها ولا نفلح، يجمع الراسبين منا في الاختبار في زاوية الصف ويبدأ بسلخنا بعصى طويلة (مؤشر السبورة) وين ما تيجي تيجي ويصرخ فينا والدم يكاد ينفجر من رقبته المنتفخة: ولكو يا أغبياء إذا ما تعلمتو ما بتشتغلوا زبالين بهاي البلد.. أنتو لاجئين وما بتقدروا تزاحموا ابن البلد إذا ما كان معكم شهادة.. والكلام نفسه كان يردده أستاذ الفيزياء فايز عودة أو أستاذ الكيمياء والعلوم سرحان أبو الهيجاء، هكذا كان أساتذة العلوم المجردة يَرَوْن علاقة اللاجئين بفلسطين..
أما أساتذة العلوم الإنسانية (تاريخ - جغرافيا- اللغة العربية والإنجليزية- الموسيقى والرسم) فكانت فلسطين في علومهم أجمل وأقرب إلى القلب.. صورتها رومانسية حالمة خضراء خالية من دنس الصهاينة.. صورة تجعل عقولنا الصغيرة تسافر إلى أرض العسل والبطولة المقدسة كتلك الصورة الرومانسية الحالمة في أشعار عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) ويوسف الخطيب وسواهما.. أو في أشعار شعراء المقاومة في مرحلة تالية (توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم ومعين بسيسو وسواهم)
وفِي هذا السياق فإنّ أول هؤلاء الأساتذة الذين لا تغيب صورتهم من ذاكرتي الأستاذ المثقف الهادئ ابن مدينة يافا (أبو العبد الشاعر) أستاذ الموسيقى والفنون في المرحلة الابتدائية الذي علّمنا أجمل الأناشيد عن فلسطين (يا قطار العودة سير واستعجل بالمسير) وعرفنا منه شو يعني السلم الموسيقي وكتابة النوتة على دفتر الموسيقى.. كان عالماً بالموسيقى – ولا أبالغ في ذلك - ويمتلك صوتاً جميلاً في ترتيل القرآن والأناشيد الوطنية، لم نكن نعلم ذلك إلا بعد أن غادرنا تلك الأيام بسنوات.. كما قصّ علينا أروع قصص الأبطال الفدائيين ومنهم الفدائي الشبل خالد الذي أرعب الصهاينة بعملياته البطولية وأعياهم لدرجة أن كل واحد منا داعب خياله أنه سيكون يوماً مثل ذلك الشبل البطل، فيطير نحو فلسطين.. ونصرخ: كلنا فدائيون..
أما الأستاذ (أبو ماضي) – نسيتُ اسمه الأول- فقد حوّل دروس الجغرافيا إلى خارطة دائمة معلقة بالصف عرّفتنا وأجبرتنا على حفظ مواقع قرانا ومدننا عن ظهر قلب.. حتى وإن كان الدرس عن الكونغو أو الصين أو سيبيريا لا تدري كيف يقود الحديث نحو جبال الجرمق والقدس ونابلس أو مرج ابن عامر وبطاح الجليل، والنقب.. وفِي كل درس يسأل كل طالب: أنت من أي بلد بفلسطين؟ ويسهب بالحديث عن قرية كل واحد منا بحبٍ تنتقل إلينا حرارته وتمنحنا طاقة عجيبة (طبعا يا ويله اللي ما بعرف اسم قريته .. فذاك الكفر بعينه ويبدأ الأستاذ بشتمه وشتم اللي خلّفوه).
أما أستاذ التاريخ والاجتماعيات أحمد عودة (من فرعم قضاء صفد وليس من بلدنا لوبية)، كان مثالاً للأناقة والرقي، لا يأتي إلى الصف إلا ببدلة رسمية أنيقة وكأنه ذاهب إلى حفلة أو اجتماع رسمي، كانت دروس التاريخ لديه حكاية أخرى: كل تاريخ الدنيا من وجهة نظره يبدأ وينتهي في فلسطين، طبعاً عرفنا منه كتاب الشيخ مصطفى مراد الدباغ "بلادنا فلسطين" وكان يُحضر معه باستمرار جزءاً من ذاك الكتاب المكتوب قبل النكبة وبعدها والمكوّن من أحد عشر جزءاً ... وعرفنا منه ماذا تعني منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجامعة العربية والقرارات المتعلقة بفلسطين من أيام ثورة 1936 والنكبة والنكسة... كل ذلك ونحن طلاب في الصف الثامن أو التاسع!!! (يتبع)
تصدير المحتوى ك PDF