في وداع الحسيني
في الثامن من نيسان عام 1948، كانت القدس على موعدٍ مع وداعٍ استثنائي. لم يكن تشييعًا عاديًا، بل لحظة تاريخية كثيفة المعنى، حين احتشد المئات من المجاهدين والثوار وأهالي المدينة لتشييع القائد الشهيد عبد القادر الحسيني في رحاب قبة الصخرة.ة
استُشهد الحسيني قبلها بأيام في معركة القسطل، وهو يقود رجاله بنفسه، في وقتٍ كانت فيه المعركة على فلسطين تدخل أكثر مراحلها حساسيةً وخطورة. لم يكن قائدًا ميدانيًا فحسب، بل كان رمزًا لروح المقاومة الفلسطينية، وامتدادًا لإرث عائلته الوطني، فهو نجل الزعيم موسى كاظم الحسيني، وأحد أبرز وجوه الثورة في سنواتها الأخيرة قبل النكبة.
حين وصل جثمانه إلى القدس، تحولت المدينة إلى بحرٍ من المشاعر المتناقضة: حزنٌ عميق، وغضبٌ مكبوت، وعزمٌ متجدد. اصطفّ المجاهدون ببزّاتهم البسيطة وأسلحتهم المتواضعة، يحيطون بالنعش كما لو أنهم يحرسون الراية التي لم تسقط. لم يكن المشهد مجرد جنازة، بل إعلانًا رمزيًا أن المعركة مستمرة، وأن الدم الذي سُفك على تلال القسطل لن يضيع.
في ساحة قبة الصخرة، حيث تتقاطع الروح بالتاريخ، أُقيمت الصلاة على الشهيد. هناك، تحت قبّةٍ تختزن قرونًا من الإيمان والصمود، بدا التشييع وكأنه ربطٌ واعٍ بين قداسة المكان وقداسة القضية. اختلطت التكبيرات بالبكاء، وتعانقت البنادق مع الدعوات، في مشهدٍ لا يمكن فصله عن لحظة الانكسار العربي العام، ولا عن إرادة التمسك بما تبقى من الأرض والكرامة.
المئات الذين شاركوا في التشييع لم يكونوا مجرد معزّين؛ كانوا رفاق درب، وبعضهم شهداء مؤجلين. كثيرون منهم عادوا بعد الجنازة مباشرة إلى مواقع القتال، وكأن وداع القائد تحوّل إلى قسمٍ جماعي بالثبات. لقد مثّل استشهاد عبد القادر الحسيني خسارة عسكرية كبيرة، لكن جنازته كانت حدثًا تعبويًا أعاد إشعال الروح في صفوف الثوار، ولو إلى حين.
ذلك اليوم في القدس لم يُسجَّل فقط في دفاتر التاريخ، بل بقي محفورًا في الذاكرة الفلسطينية بوصفه لحظة عزٍّ في قلب المأساة. جنازة تحولت إلى مشهد مقاومة، وشهيدٌ أصبح رمزًا، وقبةٌ شهدت على أن المدينة، رغم الجراح، كانت ولا تزال مركز المعنى والقرار.
هكذا ودّعت القدس أحد أبرز أبنائها، لا باليأس، بل بوعدٍ صامت أن الطريق الذي سار فيه سيبقى مفتوحًا، مهما اشتدت العواصف
تصدير المحتوى ك PDF