باسل عباسي… نبض المنفى الذي رسم الوطن

باسل عباسي… نبض المنفى الذي رسم الوطن

باسل عباسي… نبض المنفى الذي رسم الوطن


باسل عباسي… نبض المنفى الذي رسم الوطن

جنين القاضي

في المنفى البعيد، حيث تتقاطع الذاكرة مع الوجع، ولد باسل عباسي عام 1969 في دمشق، حاملاً في دمه عبق صفد الفلسطينية التي لم يغادرها يوماً روحاً وإن غاب عنها جسداً. من مدينة حماة السورية، جعل من ريشته طريقاً نحو الوطن، يرسم بها ملامح من صمودٍ وحنينٍ لا يبهت.

لم يكن عباسي فناناً عادياً، بل شاهدًا على زمن اللجوء، وصوتًا للذين لم يجدوا سوى الألوان ليحكوا حكايتهم. تخرّج من كلية التربية، وحصل على دبلوم في شؤون اللاجئين، ليصوغ بين التعليم والفن جسرًا من الوعي والإصرار. لم تتركه المدارس دون أثر؛ فقد جعل من قاعاتها فضاءات للضوء والإبداع، يعلّم الأطفال كيف يكتبون اسم فلسطين بريشة الأمل، لا بالحزن.

في أكثر من خمسةٍ وثلاثين معرضاً فردياً وعشرين جماعياً، حمل عباسي الوطن على جدران القاعات: مفتاح عالق على باب العودة، وامرأة تزرع الحلم على ركام البيوت، وطفلٌ يبتسم رغم الحصار. كانت لوحاته مزيجاً من الدهشة والوجع، من الحنين والمقاومة، تشبه الأرض التي جاء منها — قاسية الملامح، ناعمة القلب.

ولأنه يؤمن أن الفن حياة تتجدد، اتجه إلى صناعة دمى العرائس والمسرح التفاعلي، مقدّمًا فناً يلمس أرواح الأطفال ويزرع فيهم الفكرة قبل الكلمة. شارك في برامج منظمة الطلائع والأونروا، ليجعل من الفن وسيلة للنهوض والوعي، لا للزينة أو الاستعراض.

واليوم، يستعد عباسي لإنجاز عمل توثيقي عن القدس، المدينة التي تتكلم في لوحاته كما تتكلم في صلاته. يقول إن الفنّ ليس ترفاً، بل شكل من أشكال النضال الوطني، وسلاحٌ يواجه التزوير بالضوء، والنسيان بالذاكرة.

نال جوائز محلية وعربية، لكنّ أجمل ما ناله هو أن يرى فلسطين حاضرة في عيون جمهوره، نابضة في ألوانه، لا تموت رغم المنفى.

باسل عباسي ليس مجرد فنان؛ هو ذاكرة تمشي على لوحاتها فلسطين، رجل آمن أن الريشة قد تكون بندقية، وأن اللون يمكن أن يكتب ما لا تكتبه الخطب. في كل لوحة يرسمها، وطنٌ يعود، وأملٌ يولد من جديد



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى