فصول من سيرة مخيم اليرموك (17)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (17)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (17)

د. ثائر عودة

أما على الصعيد العلمي فالحديث عن الدكتور محمود موعد أجمل.. فعلى مستوى طلبة الدراسات العليا في الآداب كان لا يتأخر عن المساعدة العلمية والإدارية في آن، فإذا ما واجه طالب الدراسات أي تعقيدات إدارية في تسجيل أطروحة الماجستير أو الدكتوراه فإنه لا يتأخر عن تقديم المساعدة المطلوبة، وكم لجأ إليه طلاب فلسطينيين وغير فلسطينيين وساعدهم باتصالاته، ومن يتصل بهم يقدرونه وينفذون ما يطلب سواء تعلق الأمر بقبول عنوان الأطروحة أو اختيار المشرف أو حتى تغييره... وأذكر أول مرة دخلت بيته منتصف التسعينيات رفقة صديق لي كان يعد رسالة دكتوراه عن الرواية الفلسطينية وكنت أعد أطروحة الماجستير في آداب دمشق عن (غالب هلسا) فاستقبلنا استقبالاً عظيماً وبكرم غير معهود (اكتشفنا لاحقاً أن هذا طبعه مع كل مَن يطرق بابه) ثم انتقل بنا إلى الطابق الثاني من بيته وفوجئنا أن الطابق بأكمله مخصص للكتب فقط!! شعرنا وكأننا ندخل مكتبة عامة أرفف على طول الجدران مليئة بالكتب والرسائل الجامعية والمجلات والصحف النادرة القديمة والحديثة (وكم عجبت من هذا الرجل الاستثنائي فبعض ناس المخيم مع نهاية الثمانينيات بدؤوا يسارعون إلى تحويل الطابق الأرضي من بيوتهم أو جزء منه إلى محال تجارية للبيع أو الإيجار وهذا الرجل يفرد طابقاً كاملاً للكتب والمجلات) وكنا نسير بينها في ممرات ضيقة بين الرفوف والأرض وهو يعطي زميلي كل ما يحتاج من روايات وكتب نقدية.. ويقول لي سأعطيك رواية غالب هلسا (الخماسين) بطبعتها الأولى وقد حصلت عليها مطلع السبعينيات عندما كنت أدرس في مصر وهي مفقودة الآن. ويحدثني عن علاقته بالراحل (هلسا) وبعض المواقف الشخصية بينهما ويثني على اختياري لهذا الكاتب.. وغادرنا بيته ونحن نردد بدهشة محمود موعد يشبه (الستالايت) شبكة هائلة من الاتصالات تجعلك على اتصال بالعالم كله (وكان الستالايت في حينها شيئاً عجيباً بدأ ينتشر فوق بعض أسطحة الميسورين من أبناء المخيم فقط) ولم يتوقف الراحل يوماً عن مساعدتنا ومساعدة غيرنا وتشجيعنا بل متابعتنا، وما زلت أذكر كلمة صديق لي في الدراسات العليا لما خرجنا من عند الدكتور موعد وقد ذلّل له جملة من العقبات إذ قال: الدكتور موعد يضع العالم بين يديك.

ولا أذكر مرة الدكتور الراحل إلا وأتذكر خدماته لنا -نحن طلاب الدراسات العليا- سواء في جمع مادة البحث، أو فيما يتعلق بالأمور الإدارية، فبمجرد أن تسأله أمراً يسارع إلى القول أعرف الأستاذ فلان وهو سيفيدك ويدلك إلى المراجع اللازمة ويتناول دفتر هواتفه ويملي عليك رقمه ثم يتصل به ويقدمك إليه بما يليق وربما بأكثر مما تستحق ثم يطلب منه بكل أدب أن يساعدك.

وهذه عادة جرى عليها الدكتور بأن يفتح قلبه وبابه لطلاب الدراسات العليا جميعهم ويمدهم بالمصادر والمراجع ويلهمهم أفكاراً قيمة ويقترح تصويبات عميقة في مسيرة البحث، وكنا نحب زيارته ونختلق حججاً ونتذرع في أحيان كثيرة أسباباً واهية كي نلتقيه ونجالسه ونحادثه ونحاوره وهو لا يملّ وإذا ما طلبنا كتاباً أو مرجعاً قفز مسرعاً يحدق في رفوف مكتبته العامرة كي يحضره وإذا لم يجده يطلب منا بكل أدب ولباقة أن نتبعه إلى الطابق الآخر كي يبحث عن المراجع. وينتابنا شعور بالخجل والحرج كوننا نكلف الدكتور عناء وتعباً لكنه يغذ الخطا أمامنا مشجعاً إيانا كي نتبعه، وفي الطابق الآخر يضع نظارته السميكة ويبدأ بالبحث ويتسلق –إن اضطره الأمر- إلى الرفوف العليا ويضع كرسياً ويجول بناظريه حتى يتمكن من إيجاد المرجع ونحن في دهشة من أمرنا، ونتهامس فيما بيننا: يا الله كم هو رائع هذا الدكتور! وكم هو محب للعلم! لقد تعرفنا في أثناء رحلة دراستنا الجامعية إلى كثير من الأساتذة، وحاولنا أن ننهل من معارفهم وخبراتهم وكنا نتطفل عليهم ونتبعهم طمعاً بالإفادة، إلا أن كثيراً منهم كان يقابلنا بجفاء أو يتأستذ علينا وحسب، وكأنه يلقي محاضرة في الجامعة أو المركز الثقافي، وإذا ما انتقل الحديث إلى المراجع أو المصادر فإنه يعتذر بلطف أو بفجاجة وينسحب دون أن يترك أملاً بلقاء آخر أو أنه يرفض أصلاً أن تزوره في بيته، ويكتفي باللقاء السريع في ردهات الجامعة أو المكتبة الوطنية، يلقي عليك عظاته ويمشي، لذلك كان ثمة سُنة متبعة عند معظم الطلاب حين يفرغون من إعداد الماجستير أو الدكتوراه أن يتقدموا بنسخة إهداء إلى الدكتور موعد عرفاناً له بالفضل والشكر، وكم كنت أشعر بالدهشة عندما أشاهد رسائل جامعية لباحثين أصبحوا فيما بعد أساتذة جامعيين، وصيغة الإهداء على تلك الرسائل تقريباً واحدة: إلى الأستاذ الدكتور محمود موعد الذي كانت له اليد الطولى في إنجاز هذا البحث.

وأشير هنا إلى بعض ثماره أو فروعه الممتدة حيث إن ابنه الأول (عماد) يكتب الشعر ويترجم عن الفرنسية ويتابع السير على خُطى والده.. أما ابنته د.سكينة فأصبحت أستاذة لامعة في النحو في قسم اللغة العربية في آداب دمشق.. كذلك ابن عمه على ما أظن د.محمد موعد أصبح من ألمع أساتذة النحو في قسم اللغة العربية في آداب دمشق بل أصبح وكيل الكلية للشؤون العلمية..

وأعتذر من الدكتور محمود موعد لأني لا أستطيع أن ألم بكل جهوده الثقافية التي قدّمها لأبناء المخيم وسواهم من الطامحين والمتعطشين للعلم والمعرفة...

تعلمت منه حب الوطن وحب العلم وحب البشر، وعرفت من خلاله ما معنى مقولة: تواضع العالم أو العارف، وأهمية اقتناء الكتب ومتابعة الجديد من الإصدارات .. تعلمت منه ألا أبخل بما أعرف ومساعدة كل محب للمعرفة .. وتعلمت منه ما هو أكثر من ذلك إنه الإخلاص والتفاني في كل عمل نقوم به. لقد كان كريماً وأصيلاً واستحق بحق لقب برقوق فلسطين...(يتبع)



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى