فصول من سيرة مخيم اليرموك (4)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (4)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (4)

د. ثائر عودة/ دمشق

ولم يكن يعني هؤلاء المعلمين أي فلسفات تربوية أو فذلكات وبرامج تطوير مهني من مؤسسة التعليم في الأونروا كما لم يكن يعنيهم تحقيق نسب عالية في عدد الناجحين في مدارسهم، ولا أذكر أنّ أي مدير من أمثال (سليم عقاب أو موسى شحادة) في المدارس الإعدادية الثلاث في المخيم (المالكية والكرمل والقسطل) كان يعنيه سباق النسب كما حدث لاحقاً مع المدراء والأساتذة من الجيل التالي في تلك الإعداديات الذين أصبح همهم الفوز بنسبة كاملة من الناجحين إرضاء للمسؤولين في الأونروا أولاً وقبل كل شيء، ولو كان ذلك على حساب التخلص من الطلبة الضعاف، فإذا ما رسب أي طالب فيما يُعرّف بـ(الاختبار التجريبي) قبل الاختبار الرسمي العام للشهادة الإعدادية فإنه يُستبعَد من الترشّح باسم المدرسة كيلا يؤثر على نسبة النجاح فيها، وفي حالات أقسى كانت إدارة الإعداية ومعلموها لا يرفّعون ذلك الطالب من الصف الثامن لأن مستواه ضعيفاً تحسباً لخسارة تلك النسبة فيبقى راسباً في الصف الثامن، وكم من طالب غادر المدرسة بعد أن رسب في الصف الثامن لأن أهله لا يملكون رفاهية أن يمنحوه فرصة الإعادة وإتمام الدراسة!! وكم صرخ كثير من الغيورين على مصلحة أبناء شعبنا بأن ترأف تلك الإدارات بالطلاب الضعاف علمياً وتتركهم يصلون إلى امتحان الشهادة العامة والباقي على الطالب.. أسوة بنظرائهم من الطلاب في المدارس الحكومية.. لكنهم لم يسمعوا إلا لصوت رواتبهم وشهادات التقدير التي سيحصلون عليها من إدارة التعليم بالأونروا.. 

لقد اختلفوا عن ذلك الجيل من المعلمين الذين لم يكن يعنيهم موضوع الدعاية الزائفة بتفوق مدرسة ما على غيرها.. بينما لم يكن يعني ذلك إطلاقاً الكثير من المدارس الإعدادية التابعة للحكومة، وكثيراً ما كنّا نقرأ في النتائج العامة الصادرة في الصحف الرسمية مدرسة كذا أو كذا (لم ينجح أحد)!! وكان الأمر عادياً بخلاف مدارس الأونروا التي أصبح همها رضا إدارة التعليم بالأونروا ولو كان ذلك على حساب أبناء شعبها الذين قُضي على مستقبل معظمهم في الصف الثامن تحديداً.. وكثير من المعلمين الأوائل الأوفياء الذين لم ترق لهم هذه السياسة قدّموا استقالاتهم وتركوا التدريس بسياسته المقرفة الجديدة الخالية من أيّ حسّ وطني أو انتماء لمجموع اللاجئين..

وكان من النتائج الكارثية الأخرى لهذه السياسة التنافسية الزائفة التي اتبعتها إدارة التعليم بالأونروا على الصعيد التجاري، هي بداية ظهور المعاهد التعليمية الخاصة التي تقدّم دروس التقوية في المواد الرئيسية.. وكم ضحكنا واستغربنا عندما رأينا إعلان أول معهد تعليمي (معهد دلال المغربي، السمو لاحقاً) على جدران المخيم بخطّ الخطاط الوحيد أو شبه الوحيد وقتها عدنان عودة.. وقد اختار صاحب المعهد (جهاد الصعبي) اسماً وطنياً برّاقاً ليجذب انتباه الطلاب وآبائهم وكذلك فعل صاحب معهد آخر سمٌاه معهد القدس (يمكن هذا المعهد أقدم بقليل من معهد الصعبي، وصاحبه من بيت درويش على ما أظن ونسيت اسمه الأول.).. بل ذهب صاحب معهد آخر في وطنيته إلى ما هو أبعد من ذلك بأن أطلق اسم فلسطين كلها على دكانه أو معهده (يمكن صاحبه راتب شهاب) وآخر دبّ فيه الحماس ليرخّص لثانوية خاصة سمّاها ثانوية العودة (صاحبها تاج الدين العم علي وأخوه أو شيء من هذا القبيل على ما أظن) وأنا هنا لا أشكك بوطنية أي واحد من هؤلاء أو من تلاهم من أصحاب المعاهد التعليمية التي تكاثرت بشكل غير معقول، إلا أنّ الجانب التجاري في هذا العمل كان الدافع الأول قبل فلسطين وأبنائها.. وقد حاولت بعض الفصائل الدخول على هذا الخط وتقديم دورات تعليمية بأسعار رمزية مدعومة من قادة تنظيماتها من مثل (معهد الشبيبة التابع لحزب البعث أو المعهد التابع لحركة فتح)، صحيح أنه لم يكن دافعهم تجارياً أبداً بل خدمة أبناء شعبهم (على الأقل مدير معهد فتح أبو علي الرفاعي الذي عرفته عن قرب في أوائل التسعينيات وكذلك الأستاذ نايف عودة مدير معهد الشبيبة) وإن كان دافعهم خدمة أبناء شعبهم إلا أنه كانت تراودهم فكرة استقطاب المزيد من الأنصار وضمهم إلى تنظيماتهم.. لكنهم لم يستطيعوا المنافسة مع تجار المعاهد الأخرى التي استقطبت نجوم التدريس في مدارس الأونروا أو الحكومة بينما اقتصرت معاهد التنظيمات على اختيار أساتذة الصف الثاني أو الثالث الذين كانت أجورهم بسيطة فلم يقدروا على المنافسة.. وقد انتشرت وتكاثرت تلك المعاهد حتى امتلأت حارات المخيم الرئيسية والفرعية بالعشرات منها وتحوّل الأمر فيما تلا من سنوات إلى تجارة رائجة ومجزية وتنافسية أرهقت الفلسطينيين الفقراء المصرين على متابعة أبنائهم لتحصيلهم العلمي، وأصبح كثير من أولياء الأمور يؤرقهم تأمين الزاد المالي وتغطية الأكلاف لأولادهم قبل أن يصلوا إلى الثالث الثانوي، فيبدؤون بتجهيز عدتهم المالية مبكراً ويهتمون بذلك أكثر من تجهيز متطلبات زواج أبنائهم أو بناتهم



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى