قرن ويزيد على الوعد المشؤوم

قرن ويزيد على الوعد المشؤوم

قرن ويزيد على الوعد المشؤوم

قرن ويزيد على الوعد المشؤوم

ريم  العتيبي

في الذكرى التاسعة بعد المئة لوعد بلفور

كيف للأيام أن تمضي مسرعة إلى هذه الدرجة؟ أم أننا نعيش في زمنٍ لم نعد نشعر فيه بمرور السنوات، لكثرة ما نحمله من أحداث وأوجاع، وما نشهده من ظلمٍ لا يكاد ينتهي حتى يبدأ ظلمٌ آخر أشد منه قسوة؟

مئة وتسع سنوات مضت على وعد بلفور.

أكتب هذا الرقم وأتوقف عنده قليلاً. مئة وتسع سنوات! عمرٌ أطول من حياة إنسان، وأطول من أعمار الذين شهدوا ذلك اليوم، وأطول من صبر أجيال رحلت وهي تنتظر أن يتغير شيء في هذه الحكاية.

وأتساءل: هل كان الذين كتبوا ذلك الوعد يدركون أنهم لا يكتبون مجرد رسالة سياسية، بل يفتحون باباً لمأساة ستظل تتسع حتى بعد رحيلهم؟ هل خطر ببالهم أن كلمات قليلة، وُضعت على ورقة في الثاني من نوفمبر عام 1917، ستترك كل هذا الألم في حياة شعب لم يكن حاضراً حين تقرر مصيره؟

ربما لم يفكروا في ذلك أصلاً.

وربما كانت فلسطين، في حساباتهم، مجرد موقع على الخريطة، ومصلحة سياسية، وورقة من أوراق النفوذ التي تتبادلها الدول الكبرى.

لكنها لم تكن كذلك بالنسبة لأهلها.

كانت بيوتاً يسكنها الناس، وأراضي يزرعونها، وحارات يعرفون حجارتها، وأشجار زيتون غرسها الآباء ليأكل من ثمارها الأبناء. كانت حياة عادية بكل ما في هذه الكلمة من بساطة وجمال؛ أمهات يخبزن، وأطفال يلعبون، وفلاحون ينتظرون المطر، وعائلات تحلم بغدٍ أفضل.

لم يكن هؤلاء يطلبون من أحد أن يمنحهم وطناً. كانوا يعيشون في وطنهم بالفعل.

وهنا تكمن المرارة التي يصعب تجاوزها.

أن يأتي من لا يملك، فيَعِدَ بما لا يملك، لمن لا يستحق أن يُمنح حق الآخرين، ثم يُترك أصحاب الأرض ليواجهوا وحدهم نتائج ذلك الوعد.

لقد قيل الكثير عن وعد بلفور. كُتبت عنه الكتب، وحُللت أسبابه، ودُرست ظروفه السياسية، وتحدث المؤرخون عن مصالح بريطانيا والحركة الصهيونية والحرب العالمية الأولى.

لكنني كلما قرأت عن ذلك الوعد، وجدت نفسي أفكر في أمر آخر.

أفكر في الإنسان الذي لم يكن له صوت في كل تلك الحسابات.

في الفلاح الذي لم يكن يعرف شيئاً عن الرسائل المتبادلة في لندن، لكنه سيكتشف بعد سنوات أن أرضه أصبحت جزءاً من قضية تقررها قوى بعيدة عنه.

وفي الأب الذي بنى بيتاً ليتركه لأبنائه، ولم يخطر بباله أن يأتي يوم يصبح فيه ذلك البيت ذكرى، وأن يتحول مفتاحه إلى شيء يحمله الأحفاد دون أن يعرفوا الباب الذي كان يفتحه.

وفي الأم التي خرجت من بيتها وهي تظن أنها ستعود بعد أيام، ثم أمضت بقية عمرها تتحدث عنه كما لو أنه ما زال ينتظرها.

هؤلاء لم يكتبوا وعد بلفور، ولم يشاركوا في صياغته، لكنهم كانوا، هم وأبناؤهم وأحفادهم، من دفعوا أثمان ما تلاه.

وهذا، في رأيي، هو الوجه الأكثر إيلاماً في الحكاية.

ليس الظلم وحده، بل أن يقع الظلم على أناس لم يُسمح لهم حتى بالمشاركة في القرار الذي غيّر حياتهم.

ومضت السنوات.

جاء الانتداب البريطاني، وتتابعت الأحداث، واشتدت المواجهات، حتى كانت نكبة عام 1948، حين فقد مئات الآلاف من الفلسطينيين بيوتهم وأراضيهم، وتفرقت العائلات، وتحولت القرى التي كانت تضج بالحياة إلى أسماء في ذاكرة اللاجئين.

ومنذ ذلك الوقت، لم تعد كلمة «مخيم» مجرد وصف لمكان مؤقت.

أصبحت عنواناً لحياة كاملة.

أجيال وُلدت في المخيمات، وأجيال كبرت فيها، وأجيال رحلت دون أن ترى القرى التي سمعت أسماءها من آبائها وأجدادها.

وما يؤلمني أكثر أن الإنسان يستطيع أن يعتاد أشياء كثيرة، لكنه لا ينبغي أن يُجبر على الاعتياد على الحرمان من حقه.

لا ينبغي أن يصبح اللجوء أمراً طبيعياً، ولا أن يتحول انتظار العودة إلى ميراث ثقيل ينتقل من الجد إلى الحفيد.

أتخيل أحياناً رجلاً مسناً يجلس أمام باب بيته في أحد المخيمات، يحدث حفيده عن قرية لم يرها الطفل قط.

يصف له الطريق إليها، وشجرة التين التي كانت قرب المنزل، والبئر، وساحة الدار، وربما يذكر أسماء جيران رحلوا منذ زمن.

يسأله الطفل: هل سنذهب إليها يوماً يا جدي؟

وأتخيل ذلك الصمت الذي يسبق الإجابة.

ليس لأن الجد لا يعرف ماذا يقول، بل لأنه لا يريد أن يطفئ في قلب حفيده أملاً عاش هو نفسه عمره كله متمسكاً به.

قد تكون هذه صورة متخيلة، لكنها تشبه آلاف الحكايات الحقيقية التي حملها الفلسطينيون معهم من بيوتهم الأولى إلى المنافي والمخيمات.

وهنا أعود إلى ذلك الوعد.

كيف يمكن لوثيقة مضى عليها مئة وتسع سنوات أن تبقى حاضرة في حياة طفل وُلد بعد صدورها بأكثر من قرن؟

كيف يمكن لقرار اتُّخذ في زمن آخر أن يستمر أثره في مصائر أناس لم يولدوا بعد حين كُتب؟

وهل كان الظلم سيستمر كل هذه السنوات لو أن العالم تعامل منذ البداية مع الفلسطيني بوصفه إنساناً له الحقوق نفسها التي يطالب بها الآخرون لأنفسهم؟

لا أجد في هذه الأسئلة مبالغة.

بل أجدها أسئلة كان ينبغي أن تُطرح منذ زمن بعيد.

وما يثير الحزن والغضب معاً أن العالم لم يتوقف طوال هذه السنوات عن الحديث عن الحرية وحقوق الإنسان والعدالة. قامت مؤسسات دولية، ووُقّعت مواثيق، وأُلقيت خطابات لا تُحصى عن كرامة البشر وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

ومع ذلك، ما زال الفلسطيني ينتظر أن تتحول هذه المبادئ من كلمات جميلة إلى واقع يلمسه في حياته.

وأي معنى للعدالة إذا ظلّت حاضرة في الخطب، وغائبة حين يحتاج إليها الإنسان؟

لا أريد أن أحمّل التاريخ وحده مسؤولية كل ما جرى، فالتاريخ لا يتصرف من تلقاء نفسه. هناك قرارات اتخذها بشر، وسياسات نفذتها حكومات، ومصالح قُدّمت على حقوق، وفرص للإنصاف ضاعت أو أُضيعت.

ولهذا لا يكفي أن نقول إن وعد بلفور أصبح من الماضي.

فالماضي لا ينتهي بمجرد أن تتغير صفحات التقويم.

ينتهي حين نتعامل مع آثاره بعدل، وحين نعترف بما وقع من ظلم، وحين لا يبقى المتضررون منه مطالبين في كل مرة بإثبات إنسانيتهم وحقهم في الحياة والكرامة.

ومع مرور مئة وتسع سنوات، أجد نفسي أمام حقيقة مؤلمة: الذين صنعوا ذلك الوعد لم يعودوا بيننا، لكن الذين يعيشون تبعاته ما زالوا هنا.

وما زالت فلسطين، رغم كل ما مر بها، أكثر من قضية سياسية.

هي حكاية أناس يريدون حياة لا تختلف كثيراً عما نريده جميعاً.

أن يكون لهم بيت آمن، وأرض يعرفون أنها لهم، ومدرسة يذهب إليها أطفالهم دون خوف، ومستقبل لا يضطرون فيه إلى الاختيار بين البقاء تحت الخطر أو الرحيل إلى المجهول.

ليست هذه مطالب مستحيلة، ولا أحلاماً خارجة عن حدود المعقول.

إنها أبسط حقوق الإنسان.

ولا يعني الدفاع عنها إنكار حقوق الآخرين أو كراهية أحد بسبب دينه أو أصله. فالظلم لا يُعالَج بظلم آخر، والكرامة التي نطالب بها لأنفسنا لا يجوز أن ننكرها على غيرنا.

لكن الإنصاف يبدأ من الاعتراف بأن الشعب الفلسطيني لم يكن تفصيلاً هامشياً في أرضه، وأن حقوقه السياسية والوطنية لم يكن يجوز تجاهلها، وأن ما أصابه من اقتلاع وتهجير ومعاناة ليس أمراً يمكن تجاوزه بالصمت.

مئة وتسع سنوات.

أعود إلى الرقم مرة أخرى، فأشعر أن ما يؤلمني فيه ليس طوله فقط، بل عدد الفرص التي كان يمكن خلالها أن يكون العالم أكثر عدلاً.

كم مرة كان يمكن أن يُسمع صوت المظلوم ولم يُسمع؟

كم مرة كان يمكن أن تتقدم الإنسانية على المصالح ولم يحدث ذلك؟

وكم مرة قيل إن السلام قريب، بينما بقي الإنسان الذي ينتظره بعيداً عن أبسط شروطه؟

لا أعرف كيف ستكتب الأجيال القادمة عن هذا الزمن.

لكنني أعرف أن مرور السنوات وحده لا يكفي كي نكون قد تعلمنا من أخطاء الماضي.

فليس مؤلماً أن يقع الظلم مرة فحسب، بل أن تتاح فرص كثيرة لوقفه، ثم يستمر.

واليوم، في الذكرى التاسعة بعد المئة لوعد بلفور، لا أجد ما أقوله سوى إن هذا الوعد لم يكن مشؤوماً لأنه كُتب قبل أكثر من قرن، بل لأنه مثّل بداية مرحلة من الظلم ما زالت آثارها تؤلم الناس حتى يومنا هذا.

ولأنني لا أستطيع أن أنظر إلى هذه السنوات بوصفها أرقاماً صامتة، أراها في وجوه الذين رحلوا وهم ينتظرون، وفي عيون الذين ما زالوا ينتظرون، وفي الأطفال الذين يستحقون أن يرثوا من أجدادهم الحكايات الجميلة، لا الخوف والحرمان.

أراها في المخيم الذي كان يفترض أن يكون محطة مؤقتة، فإذا به يصبح مكان ولادة أجيال وموت أجيال.

وأراها في ذلك المفتاح القديم الذي قد لا يفتح باباً اليوم، لكنه ما زال يفتح في الذاكرة بيتاً كاملاً.

قرن ويزيد على الوعد المشؤوم.

مئة وتسع سنوات، وما زال السؤال الأول قائماً:

كيف استطاع من لا يملك أن يمنح وعداً يتعلق بوطن غيره، وكيف تُرك أصحاب الحق كل هذا العمر يدفعون ثمنه؟

لست أدري كم من السنوات ستمر قبل أن يجد هذا السؤال جواباً عادلاً.

لكنني أدري أن الزمن، مهما طال، لا يستطيع أن يجعل الظلم حقاً، ولا أن يجعل حق الإنسان في وطنه مجرد ذكرى.

وأدري أيضاً أن أشد ما يمكن أن يصيبنا بعد كل هذا العمر ليس أن ننسى التاريخ وحده، بل أن نعتاد الظلم حتى نفقد قدرتنا على الشعور بوجع الذين يعيشونه.

فمئة وتسع سنوات تكفي لأن يرحل جيل بعد جيل، لكنها لم تكن كافية ليرحل الوجع.

وكم هو محزن أن يمضي من أصدروا الوعد إلى صفحات التاريخ،بينما يمضى الفلسطيني يورث الوجع لابنائه جيلا بعد جيل  وهم ينتظرون عدالة لم تصل بعد.


 



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى