مخيمات صور: لجوء متكرر تحت وطأة الحرب، والنزوح، وشبح الحرمان
مخيمات صور: لجوء متكرر تحت وطأة الحرب، والنزوح، وشبح الحرمان
دعاء خليفة
بين جدران متلاصقة وأزقة ضيقة لم تكن يوماً تتسع لأحلام ساكنيها، يعيش لاجئو مخيمات صور (الرشيدية، البرج الشمالي، والبص) فصلاً جديداً من فصول المعاناة. اليوم، لا تقتصر أزمة اللاجئ الفلسطيني في جنوب لبنان على تأمين قوت يومه أو البحث عن فرصة عمل في ظل اقتصاد منهار، بل باتت التحديات تمس أمانه الشخصي وحقه في البقاء داخل بيته المتواضع، وسط عدوان مستمر يضعه أمام خيارات أحلاها مرّ.
الواقع الأمني وأوامر الإخلاء: العيش على حافة الخطر
تأتي التطورات الميدانية الأخيرة لتزيد المشهد تعقيداً؛ فالمخيمات الثلاثة باتت تقع في قلب دائرة الاستهداف المباشر وغير المباشر.
التهديدات المباشرة: تعرضت أطراف المخيمات (وخاصة البص والبرج الشمالي والرشيدية) لغارات أدت إلى سقوط شهداء وجرحى وتضرر عشرات المنازل والبنى التحتية كشبكات المياه والكهرباء.
إنذارات الإخلاء المتلاحقة: يعيش الأهالي حالة قلق دائم بسبب أوامر الإخلاء الإسرائيلية المتكررة للمدينة ومخيماتها. هذه الإنذارات تضع العائلات في جهوزية دائمة للنزوح، مما يسبب ضغطاً نفسياً هائلاً، لا سيما على الأطفال والنساء وكبار السن.
معضلة النزوح: بين "ذل الشارع"
وعزّة البقاء
مع تصاعد القصف، وجدت آلاف العائلات نفسها مجبرة على حزم القليل من أمتعتها والتوجه شمالاً نحو صيدا، إقليم الخروب، أو بيروت. وتبرز هنا أزمة إنسانية كبرى:
غياب مراكز الإيواء المجهزة: تعاني مراكز النزوح من اكتظاظ شديد ونقص في المستلزمات الأساسية، مما دفع بعض العائلات للمبيت داخل السيارات أو في خيام مؤقتة على الطرقات.
خيار الصمود: أمام صعوبة النزوح ومرارة التشريد، ترفع عائلات كثيرة في المخيمات شعار الصمود، ويفضل الكثيرون البقاء في منازلهم تحت القصف على تجرع "ذل الشارع ومراكز النزوح"، معتبرين أن لجوءاً جديداً هو تكرار لنكبة متجددة.
التدهور الاقتصادي والمعيشي: شلل تام
قبل الحرب الحالية، كانت المخيمات تعاني من نسب بطالة وفقر قياسية، والآن تحول الوضع إلى شلل اقتصادي كامل:
توقف الأعمال: فقد معظم العمال المياومين وأصحاب المهن الحرة (في قطاعات الزراعة، البناء، والخدمات) مصادر رزقهم بسبب تدهور الأوضاع الأمنية وإغلاق الطرقات والمداخل الفرعية.
أزمة الغذاء والدواء: تعاني الأسواق الداخلية للمخيمات من شح في المواد الأساسية وارتفاع جنوني في الأسعار، وسط صعوبة بالغة في إدخال البضائع والمستلزمات الطبية.
تقليص خدمات "الأونروا" والمبادرات الذاتية
في الوقت الذي تتضاعف فيه الحاجة إلى الإغاثة العاجلة، تواجه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) انتقادات واسعة من اللجان الشعبية والأهالي بسبب ما يصفونه بـ"التقصير" أو عدم القدرة على الاستجابة لحجم الكارثة، خصوصاً في مجالي الصحة والتعليم (بما في ذلك قرارات دمج الصفوف وإغلاق المدارس لظروف أمنية).
وأمام هذا الفراغ الإغاثي، برزت المبادرات الذاتية والتكافل الاجتماعي داخل المخيمات؛ حيث يتقاسم الأهالي ما لديهم من طعام، ويقوم الشباب المتطوعون بتقديم المساعدات الممكنة للعائلات الأكثر تضرراً وللنازحين من مناطق أخرى، كصورة من صور الصمود الجماعي.
إن مخيمات صور اليوم لا تعيش أزمة عابرة، بل تمر بواحدة من أقسى المنعطفات في تاريخها. إنها صرخة مستمرة تدعو المجتمع الدولي والجهات الإغاثية للتحرك الفوري لإنقاذ آلاف الأسر العالقة بين مطرقة القصف الإسرائيلي وسندان العوز والحرمان. يبقى اللاجئ في صور متمسكاً بكرامته، بانتظار أمل ينهي الحرب ويعيد الأمان إلى زواريب مخيمه المثقل بالهموم.
تصدير المحتوى ك PDF