المرحلة المبكرة جداً للتعليم في مخيم اليرموك

المرحلة المبكرة جداً للتعليم في مخيم اليرموك

المرحلة المبكرة جداً للتعليم في مخيم اليرموك

وليد يوسف / دمشق

جاءت فكرة هذا المقال بعد محادثة "واتساب" مع صديقي وجاري الأستاذ مروان عنبتاوي المقيم حالياً في السويد، حيث أن بعض المعلومات كنت أعرفها سابقاً وبعضها قد تكرّم بتوضيحها وزيادتها، فاقترحت عليه أنني سوف أنشرها لعلّ أحداً يستفيد منها من الجيل الجديد.  

من المعروف أن اللاجئين الفلسطينيين بدؤوا بالسكن في مخيم اليرموك في العام 1955. 

بقي المخيم ثلاث سنوات تقريباً بلا مدرسة. حتى أنشأت الأنروا أول مدرسة في العام الدراسي 1958/1959، وذلك في بيت عربي في شارع حيفا، إلى الجنوب من المختار الموعد بحوالي 50 متراً تقريباً. وكان مدير المدرسة اسمه أحمد سلمان "أبو هشام"، من قرية الطيرة الجميلة هي وأهلها. وفي تلك الفترة أيضاً أنشأت الأنروا مدرسة أخرى اسمها "مدرسة صفورية" في منطقة خارج المخيم، وبالتحديد في منطقة قاعة الميدان، بالقرب من جامع الماجد اليوم، وكان اسم مديرها خليل البيطار.

هنا إذن قد يقفز سؤال إلى الرأس: "هل هذا يعني أن الأطفال في مخيم اليرموك لم يذهبوا إلى المدارس في السنوات الثلاثة الأولى من عمر المخيم؟".  

الجواب: "لا، لقد ذهبوا إلى المدرسة" ولكن أين كانت مدرستهم؟ 

قبل نكبة فلسطين عام 1948، كان يوجد مدرسة يهودية في حارة اليهود في حي الأمين في دمشق، مدرسة أنشأها "الاتحاد الإسرائيلي العالمي"، وكلمة اتحاد تعني باللغة الإنكليزية Alliance، لذلك كان الناس يسمّونها "مدرسة الأليانس". أغلقتها الحكومة السورية، وحوّلتها إلى مركز تعليمي للأطفال اللاجئين، وجعلت الأنروا تشرف عليها، ولا تزال تشرف عليها حتى يومنا هذا. 

قامت الأنروا بتقسيم التلاميذ إلى فئتين: أيتام وغير أيتام. بخصوص التلاميذ الأيتام، افتتحت قسماً اسمه القسم الداخلي، وأصبح ما يشبه الميتم أو المأوى للتلاميذ الأيتام، وأسموه "معهد سعيد العاص". بحيث يأكل الطفل هناك وينام ويتعلم بإشراف الأنروا. 

أما بخصوص التلاميذ غير الأيتام، فهؤلاء صار اسمهم "الطلاب الخارجيين"، يأتون صباحاً ويغادرون إلى بيوتهم بعد الظهر. وهنا كانت المشكلة الأساسية عندهم، أي مشكلة الانتقال من البيت إلى المدرسة والعكس. فأطفال المرحلة الأساسية الأولى الذين في الصف الأول أو الثاني الابتدائي أو حتى السادس عليهم أن ينتقلوا كل يوم من المخيم إلى حي الأمين صباحاً في الذهاب ثم مشوار العودة بعد الظهر. 

وبسبب عدم وجود المواصلات ولا المال اللازم لهذه المواصلات، كان عليهم الذهاب مشياً على الأقدام. تخيلوا هذا المشوار الصباحي لتلميذ عمره ست أو سبع سنوات كل يوم في جميع أنواع الطقس. 

يبدأ المشوار عند موقف الساحة وسينما النجوم (لم تكن موجودة في ذلك الوقت)، ثم يسير التلميذ في الشارع الموازي لشارع فلسطين (اليوم اسمه شارع اسكندرون) حتى يصل إلى مدرسة اسكندرون وشارع نسرين الذين لم يكونا موجودين آنذاك. ثم يتجه نحو معمل النشاء ثم عبر دف الشوك حتى يصل إلى منطقة ابن عساكر والمنطقة الصناعية ثم حي الأمين. 

كانت أغلب الطريق زراعية عبارة عن بساتين، وبقيت بساتين حتى بداية وأواسط السبعينات التي أذكرها في هذه الفترة. 

ذات يوم، في العقد الأول من الألفية الثالثة، حوالي 2006 أو 2007 أو 2008 اجتمعت مع رجل بالصدفة، حكى لي عن تجربته هو شخصياً عندما كان في الصف الأول أو الثاني الابتدائي. حكى لي قصة، نسيت تفاصيلها للأسف، لكني أذكر أغلبها. قال أنه في يوم كانوني بارد جداً، وفي طريق الذهاب صباحاً انقطع أسفل حذائه، لدرجة أنه انفصل عن جسم الحذاء تماماً، فقال إنه كان خائفاً من العودة إلى البيت لأن أهله سوف يعتبرون عودته هروباً من المدرسة وبالتالي سوف يعاقبونه. فأكمل مسيره إلى المدرسة حافٍ في إحدى القدمين. ولسوء حظه، كانت الأرض رطبة وباردة. وعند وصوله إلى المدرسة أصبحت قدمه متورمة، لذلك عندما دخل الأستاذ إلى الصف، شرح له باقي التلاميذ القصة، فقام الأستاذ بنقل مقعدي من الخلف وأجلسني في الأمام بجانب المدفأة في ذلك اليوم البارد.

بعض التلاميذ كانوا أكثر حظاً قليلاً، حيث أن بائعي الخضار والفواكة بالمخيم كانوا يذهبون كل يوم للتسوق وشراء بضاعتهم من سوق الهال القريب من المرجة وجسر الثورة (جسر الثورة لم يكن موجوداً يومذاك). وكانوا متعاقدين مع أصحاب طنابر تجرّها الأحصنة، فبعد صلاة الفجر كان صاحب الطنبر يأخذ الخضرجي ويعود به عند الضحى تقريباً، فكان هؤلاء التلاميذ يركبون على الطنبر خلال رحلة الذهاب حتى منطقة قريبة من مدرستهم عند منطقة باب مصلّى ثم يكملون طريقهم مشياً على الأقدام. 

على الرغم من هذه الصعوبة اليومية، حرص الأهالي على تعليم أبنائهم مهما كلفهم ذلك. 

ومن الجدير بالذكر أن أشهر أساتذة مدرسة الأليانس في تلك الفترة هو الأديب والفنان غسان كنفاني رحمه الله.

 



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى