هل ننتظر حتى تصبح لبنان غزةً ثانية؟
ريم العتيبي
هل ننتظر حتى تتضاعف أعداد الضحايا، وتتحول البيوت إلى ركام، وتُختزل أحلام الناس في البحث عن مأوى أو لقمة أو لحظة أمان؟ أم أن ما نراه اليوم كافٍ ليوقظ فينا ما تبقى من حسٍّ إنساني ونخوةٍ كانت يومًا عنوانًا لهذه الأمة؟
لقد كانت النخوة يومًا قيمةً لا تحتاج إلى تذكير. كان الإنسان يتألم لألم أخيه ولو فصلت بينهما الحدود والمسافات. كانت صورة طفلٍ باكٍ تكفي لتحرك القلوب، وكانت صرخة أمٍّ مكلومة توقظ الضمائر. أما اليوم، فقد أصبح المشهد يتكرر إلى درجة مخيفة؛ حتى خُيّل للكثيرين أن الحزن قد استُهلك، وأن الدموع قد جفّت، وأن التعاطف بات رفاهية لا مكان لها في عالمٍ مزدحم بالأزمات.
لكن كيف لنا أن نعتاد المشهد ونحن لم ننسَ بعد؟ لم ننسَ الشهداء الذين خرجوا يبحثون عن رزق أطفالهم فعادوا محمولين على الأكتاف، ولم ننسَ البيوت التي كانت تضج بالحياة فأصبحت أكوامًا من الركام. لم ننسَ الأمهات اللواتي افترشن الحزن، ولا الأطفال الذين كبروا على أصوات الانفجارات بدلًا من أصوات اللعب والأمان.
ولم ننسَ غزة... لم ننسَ أن المعاناة هناك لم تنتهِ أصلًا حتى نطوي صفحتها، وأن الجراح ما زالت تنزف، وأن آلاف العائلات ما زالت تعيش بين الفقد والنزوح والجوع والخوف. ومع ذلك، يبدو أن العالم اعتاد المشهد.
ما عادت القلوب تحتمل مزيدًا من الحزن، وها هي صفحات التاريخ تكاد تبلى وهي تميل إلى السواد. ما بال أمةٍ كانت النخوة والشجاعة من سماتها الأولى؟ ما بالها تقف اليوم عاجزة أمام هذا الكم من المآسي والآلام؟ أين ذلك الشعور الذي كان يجعل الإنسان يرى في مصاب أخيه مصابه، وفي جرحه جرحًا ينزف في قلبه؟
إن أخطر ما قد يحدث للأمم ليس كثرة الأزمات، بل الاعتياد عليها. حين يصبح مشهد الدمار خبرًا عابرًا، وحين تتحول صور الضحايا إلى أرقام في نشرات الأخبار، نكون قد خسرنا جزءًا من إنسانيتنا. فالقضية ليست في عدد البيوت التي تهدمت أو الأرواح التي أزهقت فحسب، بل في قدرة القلوب على أن تبقى حيّة رغم كل هذا الألم.
إن الواجب اليوم ليس أن ننتظر كارثة أكبر حتى نتحرك، ولا أن ننتظر فصلًا أكثر ظلمة في كتاب المأساة. الواجب أن نحافظ على إنسانيتنا، وأن نرفض التطبيع مع الحزن والدمار، وأن نبقي صوت الحق حاضرًا مهما حاول البعض إسكاته. فالأمم لا تُقاس بما تملكه من قوة فقط، بل بما تملكه من ضمير، والضمير الحي لا يعتاد الظلم، ولا يصمت أمام المعاناة، ولا يسمح للتاريخ أن يُكتب بالحبر الأسود وحده.
تصدير المحتوى ك PDF