فصول من سيرة مخيم اليرموك (9)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (9)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (9)

د. ثائر عودة

حتى لحظة التحاقي في العمل مدرّساً للغة العربية أواخر الثمانينيات كان مدراء المدارس الإعدادية والثانوية في معظمهم فلسطينيين ابتداء من المخيم مروراً بيلدا وببيلا وسبينة وحجيرة إلى آخر قرية عند مطار دمشق هذا فضلاً عن ثانويتي اليرموك للبنين والبنات: مدير إعدادية يلدا الوحيدة هو الأستاذ عادل أبو إصبع.. مدير ثانوية ببيلا للذكور (ثانوية الثورة) الأستاذ مروان كتمتو.. مديرة ثانوية ببيلا للبنات الأستاذة نادية البدوي، ونتابع خط السير شرقاً، مدير ثانوية السيدة زينب الأستاذ عبد تميم (أبو هنادي) وقبلها عقربا وبيت سحم وغيرها من القرى حتى آخر قرية في الغوطة الشرقية قبل مطار دمشق (قرية الهيجانة) كان مدير إعداديتها فلسطيني من بيت (غنّام) نسيت اسمه الأول، وكنتُ قد درّست فيها حوالي الشهر، ولم أستطع أن أستمر لبعد المكان عن اليرموك وعن الجامعة حيث التحقت بدبلوم الدراسات العليا لدراسة الماجستير في قسم اللغة العربية - كلية الآداب وما يترتب عليه من أعباء في الوقت والمال لا أقدر على تحملها آنذاك، ولا أنسى في هذا السياق فضل المربّي الفلسطيني الرائع (طلّاب خطَّاب أبو سلطان) الذي كان الموجه الأول لمادة اللغة العربية في وزارة التربية الذي ساعدني في الانتقال من الهيجانة إلى ببيلا، وأياديه البيضاء كثيرة عليّ وعلى غيري من المعلمين، وللعلم فإن الأستاذ (طلّاب خطاب) كان قبل هذا المنصب قد شغل منصب مديرٍ للمدرسة الوحيدة في الدرباسية شمال سورية وبعدها مديراً لعدد من الثانويات التابعات لمحافظة درعا، منها: ثانوية إزرع وثانوية الشيخ مسكين، ثم مديراً لثانوية الكواكبي، وبعد ذلك مديراً لمعهد دار المعلمين ومديراً لمعهد إعداد المدرسين بدمشق، إلى أن انتهى به المطاف ليصبح الموجه الأول لمادة اللغة العربية في وزارة التربية، وأغلب أبنائه أطباء ومهندسون، وكان خدوماً لكل من يقصده وحازماً في تنفيذ المهام الموكلة إليه نشيطاً في عمله.

وفي العودة إلى طلاب تلك القرية (الهيجانة) فأقول إن عدم حبهم للتعليم جعل أي تحفيز أو دافعية لا ينفع معهم، وهذه صفة عامة في أبناء القرى في ذلك الزمان وربما في كل زمان... وهذا يقودني للحديث عن سبب آخر يتعلق بجزء غير قليل من الطلاب غير الفلسطينيين وعدم اندفاعهم الشديد نحو التعليم، فمعظمهم أبناء قرى وفلاحون مطمئنون إلى أراضيهم التي تدر عليهم ما يقيهم مؤونة شقاء التحصل العلمي، كما أن التعليم ابن المدينة لكن حتى أبناء المناطق المجاورة للمخيم الذين كانوا أقرب للمدينة ومع هذا لم يكن يرغب معظمهم بالتعليم، لأن أولياء أمورهم يفضلون التجارة على العلم، وفِي رأي أغلبهم يكفي الولد أن يتعلم القراءة والكتابة وشوية رياضيات وخلص، فيستطيع بعدها أن يجلس في محل أبيه في سوق الحمدية أو مدحت باشا أو الحريقة أو البزورية أو الجزماتية أو سوق ساروجا ليبيع الأقمشة أو البزورات أو الفلافل والحمص والكرشات... أو أن يجلس في محل أبيه بعد ذلك في أسواق مخيم اليرموك الرئيسية (لوبية واليرموك وصفد) بعد أن باع معظم هؤلاء التجار الدمشقيين محلاتهم الصغيرة في سوق الحمدية أو مدحت باشا أو منطقة الحريقة واقتحموا محلات اليرموك المتواضعة في ذاك الوقت بنصف أو ربع تلك الأموال التي باعوا فيها محلاتهم، ما ترتّب على ذلك لاحقاً ارتفاع جنوني بأسعار المحلات والبيوت في المخيم بفضل أولئك التجار، بل اغتنى كثير من الفلسطينيين بالصدفة الخالصة كون بيوتهم الصغيرة والفقيرة تقع على خط الغزو التجاري الجديد في شارع اليرموك أو لوبية أو صفد، فأصبح سعر المحل أو البيت بالملايين فجأة!! هذه العقلية التجارية لدى أولياء أمور هؤلاء الطلاب جعلت العلم والتعليم في ذيل أولوياتهم إضافة إلى عدم قلقهم لا على الهوية ولا على الوجود ولا على الرزق وهم يعيشون في وطنهم وأرضهم ولا يشعرون بأي تهديد ولا تزعجهم كلمة لاجىء التي كان يرددها أساتذتنا الأوائل: (أنت لاجىء وإذا لم تتعلم وتحصل على شهادة فلن تعمل حتى زبالاً في هذا البلد).. (يتبع)



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى