فصول من سيرة مخيم اليرموك (7)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (7)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (7)


بقلم : د. ثائر عودة 

ومن بين الأسباب الرئيسية لمنع التسرّب من التعليم هو حرص أولياء الأمور الفقراء على تعليم أبنائهم مهما كلفهم ذلك، والعجيب أن أغلبهم كان غير متعلم ويا دوب يفك الخط، إلا أنه استقر في أذهانهم أن الخلاص من حالة الفقر والتشرّد سيكون بالتعليم فهو خشبة النجاة، وأن فلسطين بحاجة إلى جيل من المتعلمين المثقفين لأن من ضيَّع فلسطين هو الجهل الذي سيطر على أبناء الفلاحين.. لذلك لم يترك هؤلاء الآباء أي وسيلة لمتابعة تعليم الأبناء ولسانهم يردّد دائماً: (ادرسوا يابا ولو بقطع من لحمي ما بهم).. أو صراخ الأم على ابنها: (لا تطولش بالشارع العب شوي وارجع لدروسك ووظايفك)... وتجد كثيراً من عائلات المخيم لا تملك قوت يومها ومع هذا تدفع بالأبناء نحو إكمال التعليم..

وللحقيقة فقد ساعد في تحقيق هذا الهدف مجانية التعليم في سورية ابتداء من الأونروا ثم المرحلة الثانوية والجامعية، وقد كان الفلسطيني يعامل معاملة السوري في كل شيء في جانب التعليم وفي كثير سواه وما يدفعه من مال شيء لا يكاد يُذكر.. وهذا أيضاً وللأمانة التاريخية ينطبق على كل عربي درس في سورية وفِي أي مرحلة دراسية.. وساعد على ذلك أيضاً جدية الشباب الفلسطيني الذي استشعر بأهمية الهدف وعبء المسؤولية الملقاة على عاتقه.. ابتداء من الصف العاشر لأنه كان على الطالب أن يتجه إلى ثانوية الكواكبي الأقرب إلى المخيم قبل افتتاح ثانوية اليرموك للذكور والإناث في منتصف السبعينات.. وكانت ثانوية الكواكبي في منطقة الميدان، تبعد بضعة كيلو مترات، ويضطر الطالب أن يذهب إليها سيراً على الأقدام حتى وإن أخذ من أبيه (ربع) الليرة أجرة الباص (رايح جاي)، فيوفر تلك القروش عليه وعلى أبيه.. كما أنه لم يترك فرصة أو إجازة إلا واشتغل فيها أي شغلة، فلم يكن مألوفاً أن يجلس الطالب في الإجازة دون عمل وليس غريباً أو عجيباً أن يحدّثك أحدهم بأنه اشتغل دهان أو بلاط أو بياع كاتو تازه أو بوظة أو جرائد في أثناء دراسته الجامعية أو ما قبل الجامعية فلا فخر ولا بطولة في ذلك لأن هذه الحال هي حال معظم أبناء اللاجئين.. 

وسأسوق هنا حكاية أو رحلة واحد من أولياء الأمور هو أبو زهير أحمد سعيد الشهابي الذي كان صاحب بقالة متواضعة قبالة بيتنا في شارع صفد، ربّى أولاده وربّانا كذلك على حب العلم والإصرار على التفوّق (كان لديه ثلاثة أولاد وخمس بنات: (زهير) أستاذ دكتور خريج موسكو في جامعة اللاذقية، و(طلال) دكتور مهندس خريج الولايات المتحدة الأمريكية في كلية الهندسة المدنية في جامعة دمشق، (نايف) مهندس مشهور ومتميّز، أما البنات الخمس فمهندسة وثلاث معلمات والأخيرة إدارة أعمال، وكان رحمه ينهرنا إذا وجدنا نلعب في الشارع أو نسند زوايا الحارات.. فيصرخ فينا أن ادرسوا وتعلموا وبلاش لعب فاضي وتضييع وقت.. 

وأمثال أبو زهير كثير في اليرموك.. ناس فقراء غير متعلمين لكنهم يحثون أبناءهم على التعليم والتفوق.. وأنا لا أريد هنا أن أتحدث عن تجربة جدي لأمي أو جدي لأبي وتجربة كل منهما مع أبنائهما أو أحفادهما لكيلا يكون الحديث شخصياً يخالطه نوع من التباهي بأجدادي وأعمامي وأخوالي، ويكفي أن أقول إن جدي لأمي (محمد علي الكفري) كان لديه سبعة أولاد وسبع بنات منهم الطبيب الناجح في المخيم، طبيب الفقراء كما سمّاه البعض (د.حسين الكفري) الذي درس الطب في بولندا وتفوق هناك وعاد إلى اليرموك، ومنهم ثلاثة أساتذة ومخبري، والبنات كلهن إجازات جامعية ومعلمات ما عدا أمي (كبيرة العائلة التي اكتفت بتعليمها الابتدائي فأصبحت معلمتي الأولى في الصفوف الابتدائية علّمتني القراءة والكتابة والحساب) وكذلك جدي مرزوق له من الأولاد تسعة، منهم المهندس المدني (أمين) والمعلم (علي) (مدير مدرسة لاحقاً) والضابط في الجيش والرسام والخطاط.. وكما أسلفت هذه الحالات ليست استثنائية (لوبانية فقط) بل هي حال معظم الأسر في اليرموك؛ الأب عامل بسيط له من الأبناء العديد ومعظم أبنائه وبناته متعلمون (أطباء- مهندسون- محامون - معلمون- أساتذة جامعات...(يتبع)



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى