فصول من سيرة مخيم اليرموك (6)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (6)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (6)

بقلم: د, ثائر عودة

طبعاً وبالتزامن مع تكاثر تلك المعاهد نشطت موجات الدروس الخصوصية ذات الطابع التجاري لا الوطني والتي لم نكن نسمع بها زمن معلمينا الأوائل الذين كانوا يقدّمون دروس التقوية إن لزم الأمر في مدارس الأونروا قبل بداية الدوام الدراسي أو بعده وبالمجان.. إلا أنه ومع صعوبة الاختبارات في الشهادتين الإعدادية والثانوية بفرعيها العلمي والأدبي وخوف أولياء اللاجئين على مستقبل أبنائهم جعلهم يرضخون إلى هذه التجارة التي راجت وتكاثرت وخاصة قبيل الاختبار النهائي بشهر أو يزيد.. ونمت فئة من المدرسين لا هم لها إلا المال لا يؤرقها مصير أبناء شعبها أو البحث عن حلول مساعدة لهؤلاء الفقراء ذوي المستوى العلمي المتوسط أو الضعيف.. أذكر أن أغلب المدرسين الأوائل كانوا يعطون دروس تقوية إن لزم الأمر مجاناً وخجلاً أحياناً من ولي الأمر الذي يكون في أغلب الأحيان قريباً أو صديقاً، فيلعب عامل الخجل وحب التعليم والإخلاص للاجئين دوراً في تقديم المساعدة الخالصة من أي جانب مادي..

وكذلك كان الطلاب الكبار في العائلة أو من الجيران يدرّسون أو يساعدون من هم أصغر منهم، أي أنّ ابن الثانوي يساعد ابن الإعدادي وابن الجامعة يساعد ابن الثانوي في جو مليء بروح الوطنية وحب الجميع وشغفهم في الحصول على التعليم والوصول إلى الجامعة.. وكان طالب الجامعة في نظر أهله وجيرانه ذا شأن ومثقفاً وقادراً على تأدية خدمات تعليمية كافية وضرورية لمن هو في التعليم العام سواء كان ذاك الطالب أخاه أو ابن جيرانه أو جيران جيرانه.. وأذكر أني ومنذ سنتي الأولى في قسم اللغة العربية في الجامعة كنت أدرّس خالي وابن خالته اللذين كانا في الصف التاسع، وابن جيراننا الذي كان في الثانوية العامة الأدبية وابن عمتي وابن بنت عمي وابن ابن عم أبي وهكذا دواليك ولم أكن فريداً أو ظاهرة غريبة في ذلك، بل هي حالة عامة مع كل الأقارب والجيران.. خلايا متناسلة تدفع بعضها البعض نحو التعليم دون حسابات مالية إطلاقاً..

واللافت في انتشار الدروس الخصوصية وتلك المعاهد هو بقاؤها على قيد الحياة وامتلاؤها نتيجة أعداد الطلاب المشغّلين لها إذ ازداد أعداد المنتسبين إليها بل استقطبت الطلاب من جوار المخيم الذين تغيّرت توجهات أوليائهم نحو التحصيل العلمي، ربما بدافع التطور العام في البلد أو بدافع الغيرة من أبناء اللاجئين الذين نجحوا وتميزوا.. بل نشط بعض تجار تلك المناطق وفتحوا معاهد في مناطقهم (ببيلا- الحجر- الزاهرة -الميدان) واستقطبت كثيراً من نجوم المعلمين في معاهد المخيم، بل إن بعض أصحاب المعاهد بالمخيم هم من اقتحموا تلك المناطق وفتحوا تلك المعاهد بمفردهم أو بالاشتراك مع تجارٍ من أبناء تلك المناطق.

وإذا كان البعض يرى في ذلك ظاهرة إيجابية نشرت العلم بين أبناء المخيم وجواره إلا أنها في جوهرها ظاهرة تجارية بالدرجة الأولى كونها لم تقدّم أي معونات تعليمية للاجئين وسواهم بالمجان.. ولم يكن يعنيها أحوال غير القادرين على دفع المال مقابل العلم، كما أننا لم نشهد أي مبادرة تعليمية خالصة من المال تجاه أي من هؤلاء الفقراء ... وهنا يقودنا الحديث في عجالة عن دور الفصائل والمنظمات الفلسطينية التي كانت لها علاقات جيدة مع الاتحاد السوفيتي وبعض دول أوروبا الشرقية أو الباكستان والهند وكوبا وسواها، وكانت تحصل على منح جامعية مجانية من تلك الدول فتوزّع معظمها على أبناء الفصيل المقرّبين من القيادات أو على أقاربهم ومعارفهم (علاقات مشبوهة في معظمها) وقد نتج عن ذلك فشل أغلب مَن ذهب للدراسة في تلك البلاد لأن اختيارهم أصلاً لم يكن قائماً على معايير المفاضلة بين الكفاءات، وكم من خرّيج ثانوية عامة أدبي وبمجموع درجات متواضع أو بشهادة ثانوية لبنانية (مزوّرة) ذهب ليدرس الطب البشري أو طب الأسنان والصيدلة والهندسة في الاتحاد السوفيتي وغيره من دول أوروبا الشرقية، والحديث عن ذلك يطول..(يتبع)



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى