فصول من سيرة مخيم اليرموك 4
بقلم : د. ثائر عودة
فصول من سيرة مخيم اليرموك 4
تكاد لا تذكر نسبة تسرّب الطلاب من مدارس الأونروا في تلك المرحلة، ونادراً ما كان صبي يترك المدرسة قبل الثالث الإعدادي، تلك المرحلة الفارقة في مستقبل هؤلاء الأولاد الصغار لأن امتحان إنهاء هذه المرحلة كان صعباً بسبب الطنة والرنة واللجان الامتحانية والمراقبين والمشرفين على مستوى سورية بأكملها ونتائج الناجحين وأسمائهم التي تتصدر الصحف الرسمية، والفضايح على مستوى البلد كلها... لقد كانت مرحلة فاصلة لأنّ هناك مجموعاً محدداً من الدرجات إذا لم يحصل عليه الطالب لا يحق له متابعة المرحلة الثانوية.. فيتوقف تحصيله العلمي عند هذه المرحلة.. ولأنّ ثمة خططاً تربوية على مستوى البلد كانت ترى أنه يجب تفعيل التعليم المهني (الصناعي والتجاري) وكانت ترى في استراتيجياتها، المدروسة أو غير المدروسة لا أدري، أنّ البلد بحاجة إلى التعليم المهني التطبيقي أكثر من التعليم العام التجريدي.. وفِي كل سنة تُرفَع نسبة الدخول إلى التعليم الثانوي حتى بلغت في إحدى السنوات 80 %.. وأظن أنّ هذه السياسة التعليمية اُقتبست أو تطابقت مع سياسة مركز التدريب المهني (VTC) التابع لوكالة الأونروا التي كانت توقف دعمها لتعليم الفلسطيني عند الثالث الإعدادي وترى أنه يجب أن يتوقف عن التعليم العام ويتجه بعد نيله الشهادة الإعدادية، وبغض النظر عن مجموعه فيها، إلى المركز المهني ليدرس سنتين فقط ومجاناً، فيتعلم مهنة تطبيقية؛ نجار- ميكانيكي- كهربائي... وغيرها ليصبح قادراً على الإنتاج وإعالة نفسه وربما عائلته.. ولا علاقة مالية للأونروا إن قرر ذلك الفلسطيني أن يتابع دراسته الثانوية والجامعية بعد ذلك. (هل كانت سياسة غربية صهيوأمريكية مدروسة لمستقبل الفلسطيني؟ ربما) وأعرف كثيراً من الطلاب الذين أجبروا على الذهاب للـ (VTC) عادوا بعد ذلك إلى تقديم الثانوية العامة (أحرار) ونجحوا وتوجهوا إلى الجامعة وحصلوا على شهادات جامعية إضافة إلى تلك الشهادة المهنية..
إصرار عجيب على العلم جعل نسبة الفلسطينيين المتعلمين من أعلى النسب على مستوى سورية وكثير من الدول العربية إن لم يكن على مستوى العالم في مجال التعليم .. فلا تكاد تمرّ سنة إلا وفلسطيني أو فلسطينية من أوائل الناجحين على مستوى سورية كلها في الشهادتين الإعدادية والثانوية.. حتى أصبح لدى المخيم فائض من المتعلمين والمثقفين.. وعلى رأي أحد أصدقائنا الظرفاء: إذا رميتَ حجراً في أي حارة من حارات المخيم فسيسقط على رأس طبيب أو صيدلاني أو مهندس أو محامٍ أو معلم أو أستاذ جامعي... أعمدة الكهرباء تتعربش عليها لافتات أطباء الجراحة والقلب والعظام والأسنان والمحامين وباقي التخصّصات.. بين الصيدلية والصيدلية صيدلية.. مستشفيات.. مختبرات طبية.. معاهد تعليمية.. مراكز ثقافية..
وكان من نتائج ذلك كله أن أنتج المخيم نخباً انفتحت على الثقافات الكبرى والإيديولوجيات التي تملأ العالم، فتجد اليساري واليميني والليبرالي والقومي والشاعر والقاص والروائي والمسرحي والناقد والفيلسوف والسينمائي والممثل والمطرب والإعلامي والفنان التشكيلي والخطّاط والطبيب والمهندس والمعلم والأستاذ الجامعي.. نخبٌ تتلوها نخب انطلقت من زواريب المخيم وشوارعه التي تغصّ بالحفر لتترك بصمات على امتداد دمشق بل سورية والعالم في الجامعات والوزارات والمؤسسات الحكومية والسينما والمسرح والتلفزيون واتحاد الكتّاب ونقابات الصحفيين والأطباء والمهندسين والمحامين.. ومعظم تلك النخب تعلمت في تلك المدارس وتتلمذت على أيدي هؤلاء المعلمين الأوفياء للوطن واللاجئين...
وكانت نسبة التسرٌب حتى نهاية المرحلة الإعدادية تقريباً صفراً.. لعدة أسباب أولها إخلاص كل أولئك المعلمين وكفاءتهم وحرصهم على تعليم أبناء جلدتهم وكأنهم أبناؤهم. وأذكر أنّ أغلب المدرسين كانوا يعرفون أولياء أمور معظم الطلاب معرفة شخصية وإذا ما أخطأنا أو قصّرنا فإن ذلك سيكون حديث السهرة في مضافة جدي وجد غيري أو أمام بقالة أبو زهير الشهابي في شارع صفد أو أي بقالة أخرى في كل شارع من شوارع المخيم، ويكون المعلّم في صدر تلك السهرات والاجتماعات له احترامه المبالغ فيه والكل يخاطبه بالأستاذ قبل اسمه المجرد.. ولا أذكر أنّ جدي مرزوق خاطب الأستاذ الناقد يوسف سامي اليوسف يوماً باسمه المجرد عندما كان يتردد إلى مضافته على الرغم من صلة القرابة بينهما، وكذلك الأستاذ الشاعر والمربي عاطف حياتله أو غيرهما حين يُقدّم لأي منهم فنجان القهوة العربية مشفوعاً بعبارة: تفظل أستاذ...أو شو رأيك أستاذ بما يحدث؟..(يتبع)
تصدير المحتوى ك PDF