الاغتراب الوجودي
مخيم خان دنون / حمزة مشلوط
في عزلتنا الوجودية، نكتشف وحدة الذات مع حقائق الكون
أيها الحائر بين جدران العالم الاجتماعي، إن ما تعانيه ليس ضياعاً، بل صحوةُ روحٍ ترفض أن تُسَجَّى في توابيت المظاهر الزائفة. فالاغتراب الوجودي - كما رأى الفيلسوف الوجودي سورين كيركغور - هو "قفزة نحو الذات" حين يدرك الإنسان أنه يقف وحيداً أمام مسؤولية اختياراته في عالم يفتقر إلى المعنى الجاهز.
إنه ذلك الإحساس الذي وصفه ألبير كامو بأنه "الغربة بين الإنسان وعالمه"، حين تكتشف أنك غريب في مجتمع بنى قيمه على رمال النفاق والتلون، فتصرخ كما صرخ نيتشه: "أريد أن أكون نفسي! فالمجتمع يحاول دائمًا ترويض الذئب فينا ليصبح كلبًا مستأنسًا".
ولكن أليست هذه الغربةُ نفسها التي تحدث عنها الحكيم ابن سينا عندما قال: "كلما ازددت علمًا، ازددت عزلة"؟ فالعقل الناقد كالشجرة الوارفة - ظلها بارد، لكن قلةً يجلسون تحتها.
العلماء والمفكرون رأوا في هذه العزلة منجماً للإبداع:
· إسحاق نيوتن صنع عالمه في عزلة الوباء
· ماري كوري اختارت معملها على ضجيج الصالونات
· محمود درويش رأى في غربته "حصادَ الريح"
أما القرآن الكريم، فقد رسم ملامح هذه المفارقة الوجودية بأدق تفاصيلها:
· ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (النمل: 48) صورة لمجتمع فاسد يرفض الصالحين
· ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الأنعام: 161) إعلان للاستقلالية الفكرية
· ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (إبراهيم: 13-14) بشارة للمستضعفين
إن الاغتراب الوجودي ليس مرَضاً نُعالجه، بل موقفٌ أخلاقي نعيشه. هو رفضٌ لأن نكون - كما وصف هربرت ماركوز - "إنسان ذو بُعد واحد" في مجتمع الاستهلاك. هو تذكيرٌ بما كتبه الفارابي عن "المواطن الغريب" الذي يرى بعينين لا تنتميان.
فَارْحَمْ غربتَك أيها الواعي، ففي قاع العزلة تُصَفَّى الذات من شوائب القطيع. كما يقول جلال الدين الرومي: "كن غريباً، كن مُختلفاً، كن وَحيداً... فهكذا تشرق شمسك من حيث لا تشرق شموس الآخرين".
هذه الغربة التي تحملها ليست نفيًا للعالم، بل بحثٌ عن عالمٍ أكثرَ صدقًا - عالمٍ كما حَلُمَ به الغزالي: "حيث تكون القلوب مرايا للحقيقة، لا أقنعة للأدوار".
فالاغتراب الوجودي هو بداية الطريق، لا نهايته. هو اليقظة التي تسبق الاختيار، والشعور بالغربة الذي يسبق صنع الوطن الحقيقي - لا الوطن الجغرافي، بل الوطن القيمي الذي يبنيه الأحرار بأنامل أرواحهم.
تصدير المحتوى ك PDF