الشرائط الحمراء صرخةُ أملٍ في عالم اللاإنسانية
الشرائط الحمراء صرخةُ أملٍ في عالم اللاإنسانية
ريم العتيبي _ لندن
أتحدّث عن شريحةٍ لا نستطيع العيش دونها؛ عن ذاك الشخص الذي تحمل ابتسامته وعدًا بغدٍ أفضل، يحيي فينا الأمل ويمنحنا شعورًا بالراحة. ذاك الذي يسهر حين ينام الجميع ليبقى النور حاضرًا في عيون المتعبين. رسالته أكبر من حدود الجسد، إنها رسالة سامية لا تكفي الكلمات لشكرها. طوبى لكل طبيبٍ جعل قلبه وطنًا للرحمة.
الدكتور حسام أبو صفية طبيبٌ قدّم تضحياته بصمت، حمل أوجاع الآخرين على كتفيه وسار نحو الخطر ليهبهم أملًا بالحياة، ومع ذلك لم يجد من العالم دعمًا يليق بشجاعته وإخلاصه، فبقي عطاؤه شاهدًا على قلبٍ كبيرٍ وروحٍ مضيئة لا تنطفئ. ظلَّ إيمانه بالإنسان أقوى من الخذلان.
اختُطف الدكتور حسام وهو على رأس عمله، يطارد الألم ليخفّفه ويسابق النزف لينقذ حياةً تتشبث بالأمل رغم قلّة الإمكانات الطبية. اختُطف في لحظةٍ كان فيها مرضاه بأشدّ الحاجة إلى دفء إنسانيته. ترك خلفه من تعلّقوا به، وبقيت غرفة العمليات شاهدةً على وفائه لمهنته ورسالة الرحمة التي حملها. خُطف جسده لكن أثره بقي حاضرًا في كل جرحٍ كان على وشك أن يلتئم، وفي كل روحٍ انتظرت عنايته ولم يعد لها من يروي للأيام حكايةَ طبيبٍ قاوم الموت حتى آخر لحظة، واجه التعب والصعاب وخذله العالم كما خذلوا غزة.
كيف للعالم أن يصل إلى هذا القدر من التخاذل؟ كيف يصمت وصرخات المظلومين تعلو؟ تحدّثوا عنه وعن كل الأسرى والمعتقلين والمختطفين الذين غابوا قسرًا وهم يحملون رسالاتٍ إنسانية. كونوا صوتهم حين أُسكتت أصواتهم، واشهدوا للحق، ولا تجعلوا الصمت حجابًا بينكم وبين ضمائركم.
انطلقت حملة الشرائط الحمراء لتحمل قضيةً لا تُنسى. بدأت في بريطانيا رمزًا للتضامن مع الأسرى والرهائن، ثم امتدّت إلى بلدانٍ عديدة حول العالم، تحمل رسالةً واحدة: الغياب لا يعني النسيان، وللحرية أصوات. الشرائط الحمراء عهدٌ بأن الألم لن يُترك وحيدًا، وأن العدالة ستظل حاضرة في الذاكرة والضمير. ومع كل شريطٍ يُرفع، وكل صورةٍ للأسرى والرهائن تُعلَّق في الشوارع، وقرب المستشفيات، وعلى الحافلات ومحطات القطار، وفي كل مكان، يتجدّد الأمل وتنهض الإنسانية في وجه القسوة.
لن تُمحى التضحيات التي حملها قلبٌ رحيم من صفحات التاريخ. لهذا دعا المنتدى الفلسطيني في بريطانيا إلى فعاليةٍ رمزية يوم السبت ٢٧ ديسمبر أمام سفارة العدو في لندن، ضمن حملة الشرائط الحمراء التي أطلقها للمطالبة بالإفراج عن الأسرى والرهائن الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وفي مقدمتهم الدكتور حسام أبو صفية. لم يكن الدكتور حسام مجرد طبيب، بل رمزًا للرحمة التي لا تعرف حدودًا، وصوت الإنسانية حين صمت العالم.
لم تأتِ حملة ومبادرة الشرائط الحمراء إلا لتقول: كفى صمتًا. أتت لتذكّرنا بأن الأمل حاضر مهما غابت العدالة، وأن كل قلبٍ ينبض بالضمير قادرٌ على الوقوف في وجه القسوة. أتت لتقول: لن نتراجع عن الدفاع عن الحق، ولن نسمح للصمت أن يخنق أصوات المظلومين. فالإيمان بالإنسانية هو إرثُنا الذي سيبقى حيًا في كل روحٍ تنتظر العدالة.
تصدير المحتوى ك PDF