محمد الركوعي… حين نطقت الريشة من خلف القضبان

محمد الركوعي… حين نطقت الريشة من خلف القضبان

محمد الركوعي… حين نطقت الريشة من خلف القضبان

جنين القاضي

محمد الركوعي… حين نطقت الريشة من خلف القضبان

 

في قلب غزة حيث يولد الفن من رماد الألم، وُلد محمد الركوعي عام 1950، طفلًا يرى في خطوط الرمل لوحاتٍ للوطن الذي لم يغب يومًا عن عينيه، لم يكن الفن عنده زينةً للحياة بل حياةٌ بذاتها. فهي وسيلة ليقول ما يعجز اللسان عن البوح به، ويحوّل صمته إلى ألوانٍ لا تُمحى.

 

منذ شبابه كان يدرك أن اللوحة يمكن أن تكون سلاحًا، وأن اللون قادر على أن يواجه الرصاص، لذلك حين علّم الأطفال في مدارس غزة لم يعلّمهم الرسم فقط بل علّمهم كيف يُمسكون بالريشة كما يُمسك المقاوم بالبندقية بثبات وإيمانٍ لا ينكسر.

 

وفي عام 1973، دخل الركوعي عالم السجون لا كمهزومٍ بل كفنانٍ اختبر معنى أن يُولد الضوء من العتمة، هناك في أضيق زوايا الزنزانة صنع من الوقت مساحةً للحرية، من الخيوط الباهتة والأوراق المهربة، خلق وطنًا صغيرًا يسكن الجدران، كانت كل لوحة يرسمها نافذةً إلى الحلم وكل لونٍ فيها نبضًا من نبض فلسطين.

 

ثلاثة عشر عامًا من الأسر لم تُطفئ صوته بل جعلته أكثر صفاءً، وحين خرج في صفقة التبادل عام 1985، خرج وهو يحمل فلسطين كاملةً في قلبه. إلا أن الاحتلال لم يسمح له بالعودة إلى غزة فتم إبعاده إلى سوريا – دمشق، حيث واصل هناك مسيرته الفنية وحوّل الغربة إلى مساحة جديدة للانتماء والإبداع. في دمشق أسس مركز الجليل للفنون وإحياء التراث الفلسطيني ليبقي الذاكرة حيّة رغم البعد وليحوّل الحنين إلى تراثٍ نابض بالحياة.

 

في لوحاته لا ترى مجرد أشكالٍ وألوان بل ترى المخيم كما يراه طفلٌ يبحث عن أمه، وترى الوطن كما يراه من ذاق طعم القيود ثم تنفس الحرية، ريشته لا ترسم الماضي بل تستحضره وتمنحه حياةً جديدة في كل لوحة.

 

محمد الركوعي ليس اسمًا في سجلّ الفن الفلسطيني بل ذاكرة تمشي على أقدام الضوء، من زنزانةٍ ضيقة خرجت ريشته إلى الفضاء لتقول إن المقاومة ليست فقط بالرصاص بل أيضاً باللون، بالحلم، وبالإصرار على أن تبقى فلسطين حية في كل نبضة قلبٍ وفي كل لمسة لون.

 

في نهاية الحكاية، يبقى محمد الركوعي شاهداً على أن الجمال يولد من أقسى لحظات الألم وأن الفنّ حين يخرج من قلبٍ أسير يصبح أكثر حرية من كل سماء

حمل ريشته كما يحمل المقاتل حلمه ورسم فلسطين لا كما هي بل كما يجب أن تكون مضيئة رغم الجراح، نابضة رغم الغياب، سيبقى اسمه علامةً في ذاكرة اللون ورسالته بأن “الفن المقاوم” منارةً لكل من يؤمن أن الوطن يُرسم… قبل أن يتحرر



تصدير المحتوى ك PDF

مقاطع فيديو


إضافة محتوى