فصول من سيرة مخيم اليرموك (16)
فصول من سيرة مخيم اليرموك (16)
د. ثائر عودة
هذه حال المراكز والمنتديات الثقافية والدور الكبير الذي لعبته في تكوين فكر المخيم وثقافته أما على صعيد الأشخاص بل النجوم إن صحّ التعبير فالحديث يطول ويطول حيث هُيّأ للمخيم أعلام في الثقافة والأدب والفكر لا مثيل لهم وسرعان ما تخطّت شهرتهم حدود المخيم ودمشق وسورية كلها إلى الوطن العربي بل العالم بأسره.. وكان هؤلاء الأعلام متعددي الاتجاهات والمشارب القومية واليسارية وسأتحدث عنهم دون أفضلية في التقديم بل بالاعتماد على ما تجود به الذاكرة ..
الأستاذ الدكتور محمود موعد أديب وقاص ومترجم وناقد وأستاذ جامعي.. ولد في (صفورية) قضاء الناصرة سنة 1942 أتم تعليمه الجامعي في جامعة دمشق ثم تابع تحصيله في القاهرة ثم نال شهادة الدكتوراه في الآداب من جامعة السوربون في باريس عام 1978 .. علم من أعلام اليرموك لعب دوراً مهماً في المشهد الثقافي السوري وهو عضو بارز في اتحاد الكتاب العرب.. بل هو اتحاد كتّاب بحد ذاته درس في مصر ثم حصل على الدكتوراه في الأدب من فرنسا وعاد ليسهم في المشهد الثقافي أستاذاً غير متفرغ في كلية الآداب والمعهد العالي للفنون المسرحية يقدّم للطلبة خلاصة علمه ويترجم راوئع القصص والروايات.
وكان قد بدأ قبيل رحيله (1997) بمشروع ترجمة عن الفرنسية -التي يجيدها بإتقان- لأعمال القاص والروائي الإيطالي الفنتازي (دينو بوتزاتي)، ونشر بعض تلك القصص المترجمة في ملحق الثورة الثقافي والأسبوع الأدبي، ولم يكن (بوتزاتي) قد تربع على رفوف مكتبات أبناء المخيم ولم نكن نسمع بهذا الكاتب وبهذا النوع من الحكي العجائبي.. وقد أجابني مرة حين سألته لماذا تترجم لـ(بوتزاتي) فقال: إنه كاتب مفارق للسائد ولديه تقنيات حديثة ومذهلة في القصة والرواية، وأرى أنه من الضرورة بمكان أن يستفيد القارئ العربي من هذه الأعمال العظيمة ويتعرف إلى ثقافة العالم الحية. أحياناً تمر عشرات الأعمال المترجمة دون أن تترك أثراً في القرّاء وفي أحيان أخرى قد يؤثر عمل مترجم في جيل بأكمله، وهذا ما أدّعيه مع اختيار د.موعد لترجمة (بوتزاتي) فقد أثّر هذا الكاتب في تكوين عدد من الأدباء الشباب وتغيير رؤيتهم لمعنى الكتابة والسائد في النتاج القصصي..
واشتغل د. موعد بالأبحاث الأدبية فكان باحثاً من طراز فريد يعد الدراسات والأبحاث وكنت أراه دائماً إما مشغولاً بإعداد بحث جديد أو منتهياً للتو من كتابة بحث في الأدب أو النقد أو التربية، دائماً أراه يتأبط الكتب الكثيرة والمجلات والصحف المنثورة فوق طاولة مكتبه في البيت أو على مقاعد سيارته، يكتب القصة والخاطرة والبحث، وأذكر في إحدى زياراتي له أنه أحضر رواية للروائي الإيطالي (ايتالو كالفينو) بعنوان (مدن الخيال) وكانت شبه منجزة وقال إنه سيدفعها عما قريب إلى الطبع. لا أدري إن كان د. موعد يعلم أنه عندما قرر الترجمة أنه يعبر بوابة الخلود في الأدب والثقافة؛ كون الجميع يذكر الأيادي البيضاء للمترجمين العرب الذين شرّعوا النوافذ للقارئ العربي كي يتعرف إلى الآداب العالمية.
وشغل الدكتور نفسه في لمّ شمل المثقفين وكسر حواجز الأوهام القائمة في عقولهم، محاولاً إخراجهم من أبراجهم الكاذبة المصمتة وجمعهم على المحبة والإبداع، يدعوهم إلى ندوات ويقيم جمعيات لنقد القصة والرواية والشعر وأخرى لقراءة الإبداع في مقر اتحاد الكتاب العرب أو في أي مكان آخر من سورية أو حتى في بيته إن لزم الأمر. وقد أشركنا في بعض الأنشطة الثقافية في اتحاد الكتاب العرب ورشّح أسماءنا للمشاركة في جمعية النقد والقصة والتقينا من خلاله الكثير من الأسماء اللامعة في المشهد الثقافي في سورية، ولا يمكن أن أنسى دعوته الكريمة لي حين استضاف في الطابق الأرضي من بيته عدداً من الشعراء من تونس واليمن ومصر كانوا قد شاركوا في ملتقى شعري في دمشق فأحب أن يحتفل بهم ويقدم لهم وجوهاً ثقافية من مخيم اليرموك فاجتمعنا في بيته وفوجئت بحضور نخبة مميزة ألتقي ببعضها لأول مرة (يوسف اليوسف- فيصل دراج- حمد موعد- أحمد سرساوي- أحمد سعيد نجم وسواهم) كان بيت د.موعد مركزاً ثقافياً وبجهود فردية خالصة ولا أبالغ في هذا..
وفي طريقه نحو التأثير الثقافي لم يتأخر الدكتور موعد عن تدريس طلاب دبلوم التأهيل التربوي كيفية إعطاء دروس اللغة العربية وطرائقها الحديثة، وكنت أسأله هل تجد الوقت لهذا كله؟! فيجيب إنه لمن الواجب الأخذ بيد هؤلاء الأبناء ومساعدتهم لإيجاد الطريقة المثلى لتدريس لغتنا الجميلة. لقد كان مربياً فاضلاً ومعلماً لأجيال متعاقبة وأهم ما يميز هذا المعلم تواضعه وحلمه وصبره، لا يحقّر أحداً، ولا يستهين بقدرات أحد، الجميع في رأيه يملكون بذرة الإبداع وعلينا أن نتعهدها بالرعاية كيما تنمو وتورق، ويتكلم بإعجاب وزهو عن طلاب السنة الثالثة في المعهد العالي للفنون المسرحية ويقول لقد حللوا كثيراً من قصائد المتنبي وأبي تمام وغيرهما بمنهج علمي تفككي فذ.
كما كان يؤرقه ويهمّه وضع التربية والتعليم للشباب والأحداث بل إنه كتب دراسات وأبحاثاً حول وضع تعليم الطلاب الفلسطينيين في مخيمات سورية، ودرس ظاهرة تسرب الطلاب من المدارس وخاصة في المرحلة المتوسطة، وجاهد حتى وفاته لإنشاء مراكز ثقافية فلسطينية في المخيمات.
لقد كان للدكتور موعد جهود كبيرة في تنشيط العمل الثقافي في المخيم، وكانت له شبكة علاقات واسعة جداً بحكم عمله مديراً عاماً للتربية والتعليم العالي في دائرة الثقافة بمنظمة التحرير بدمشق وعمله أستاذاً جامعياً وعضواً فاعلاً في اتحاد الكتاب.. هذه الشبكة جعلته إضافة حقيقية لمستويات متعددة من أبناء المخيم...(يتبع)
تصدير المحتوى ك PDF