فصول من سيرة مخيم اليرموك (15)
فصول من سيرة مخيم اليرموك (15)
د. ثائر عودة
وأذكر أني عندما نشرت أولى مراجعاتي النقدية في مجلة (إلى الأمام) أواخر الثمانينيات لم يطلب مني رئيس تحريرها آنذاك أن ألتزم خطهم أو توجههم، وكذلك الحال وفي الفترة نفسها لم يطلب مني (الأستاذ عبد اللطيف مهنا) رئيس تحرير مجلة (فتح) أي التزام بالموقف السياسي للمجلة، وكنت قد قدّمت لنائبه الرائع (شوقي أبو شعيرة) الذي كان قد جمعني معه وفي المخيم صديق كاتب وصحفي موهوب هو (نافذ أبو حسنة)، قدمت له قراءة نقدية لمجموعة قصصية صدرت حديثاً آنذاك بعنوان (النحنحات) وهي لقاص وأديب سوري دمث اسمه (إبراهيم صموئيل) كان قد خرج لتوه من السجن في سورية، وكانت مجموعته تسجيلاً يومياً لما جرى لذلك المعتقل في الزنزانة.. والحال نفسها مع مجلة (الحرية) ومع رئيس تحريرها آنذاك (الأستاذ داود تلحمي) حين قدمت له دراسة عن القاص الكبير يوسف إدريس لتنشر ضمن ملف كبير أعدته مجلة الحرية ساعة وفاته مطلع التسعينيات وقد حرّر ذلك الملف نخبة من الكتاب الفلسطينيين والسوريين والعراقيين وقال لي رئيس التحرير وقتها: لقد قرأت لك شيئاً في (إلى الأمام) و (فتح) ولم يبدِ أي اعتراض أو مساومة..
وكذلك الحال عندما نشرت لأول مرة في مجلة (الهدف) قراءة نقدية لمجموعة قصصية للقاص الغزاوي الكبير (غريب عسقلاني) أهداني إياها كاتب غزاوي كان يقيم في المخيم اسمه رجب أبو سرية (التقيته في بيت صديقي الشاعر المبدع ماهر رجا) وقال لي خذ اقرأ لكاتب من غزة وقد فوجئت بالكاتب والمجموعة واحتفلت وفرحت حيث كان لقائي الأول مطلع التسعينيات مع نتاج أدبي قادم من فلسطين/ غزة فكتبت عنها بفرح شديد دون إصدار أي حكم قيمة نقدي، وعندما تحدثت عنها مع القاص الأديب الأنيق أحمد سعيد نجم (وكان سكرتير تحرير مجلة الهدف) أشار عليّ أن أنشرها في الهدف (التي استقرت مكاتبها في المخيم آنذاك) وقدّمها للمشرف على القسم الثقافي وقتها د.فيصل درّاج فوافق على نشرها.
وطلب د.فيصل دراج لقائي بعد ذلك ونصحني بأن أقدّم قراءات ومراجعات نقدية أخرى عن ذلك الأدب القادم من فلسطين تحديداً وذكّرني بالجهد المبكر الذي قدّمه الشهيد غسان كنفاني حيث كان أول مَن عرّف بمحمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وسالم جبران ونايف سليم وغيرهم، وقد راق لي ما قاله بل دفعني لالتهام كتاب كنفاني أولاً (أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966) وجعلني أبحث وأتقصّى عن كل ما ينتج في فلسطين قطاعها وضفتها وجليلها.. وقد أعدتْ مجلة الهدف عدداً سنوياً خاصاً في الذكرى السنوية الثانية للانتفاضة الأولى (1990) حرّره نخبة من الكتّاب الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين والعرب وطلب مني د.فيصل مادة نقدية شاملة بعنوان (القصة القصيرة الفلسطينية والانتفاضة) وللطرافة كانت المكافأة المالية مجزية جداً وقتها (2000 ليرة سورية) وهو مبلغ احترت ماذا أصنع به فنصحني الرائع أحمد سعيد نجم بشراء النسخة الجديدة الكاملة من الموسوعة الفلسطينية التي طبعت حديثاً في بيروت في ستة أجزاء وهي غير الإصدار الأول وثمنها حوالي خمسين دولار فوافقت فأوصى لي على نسخة وكانت أهم كتاب أفرح لشرائه في حياتي كلها..
أعود لأقول لقد كان د. فيصل دراج يعلم أنني أكتب في مجلات ربما لا تتوافق مع خط الجبهة الشعبية الإيديولوجي إلا أنها تلتقي جميعاً على فلسطين وتحريرها وضرورة إبراز دور الثقافة والمثقف العضوي (حسب تعبيره وتعبير غرامشي الذي أفاض في الحديث عنه في جل كتبه ومقالاته).. وكذلك كانت الحال مع المفكر الكبير والكاتب ناجي علوش والشاعر المحب خالد أبو خالد والأستاذ اللطيف حمزة برقاوي الذي كان رئيس أو أمين تحرير مجلة (الكاتب الفلسطيني) التي تصدر عن الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الفلسطينيين فرع سورية حين قدمت له (سنة 1991) دراسة نقدية مطولة عن الروائي والأديب غالب هلسا في الذكرى السنوية الأولى لوفاته فوافق على نشرها ضمن ملف خاص عن الراحل هلسا.. حالة ثقافية متنوعة ومتدفقة ومشهد صحي معافى من العقد الفصائلية المقيتة شعاره: ما فرقته السياسة تجمعه الثقافة والمخيم...(يتبع)
تصدير المحتوى ك PDF