فصول من سيرة مخيم اليرموك (3)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (3)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (3)

فصول من سيرة مخيم اليرموك (3)

بقلم د. ثائر عودة 

أما الأستاذ (إسماعيل حاج عبيد) مدرّس اللغة العربية في إعدادية المالكية فكان حكاية أخرى في إخلاصه لفلسطين... أسهم في تكويننا بشكل عام وتكويني بشكل خاص، هل أحدثكم عن نسبه أولاً؟ فجده هو أحد الرجال الأبطال الذين جاؤوا من مدينة جبلة السورية مع الشيخ عز الدين القسّام الذي قاد المجاهدين في فلسطين في ثورة 1936 واستشهد في منطقة يعبد- جنين بعد معركة ضارية مع المحتل البريطاني، وبقيت عائلته في فلسطين ولجأت إلى سورية بعد النكبة ولم تصحّح وضعها القانوني وتطلب الجنسية السورية.. عاشت في مخيم اليرموك عائلة فلسطينية بامتياز.. ولم يكن الأستاذ (عبيد) يحدثنا عن جده إلا بوصفه بطلاً عاش وجاهد واُستشهد في سبيل فلسطين.. فعرفنا القسّام منه قبل ظهور كتائب القسّام بسنوات طوال دون ادّعاء فارغ بالنسب والأجداد السوبرمانيين على طريقة بعض الفلسطينيين الذين كانوا ينفخون في كثير من الأحيان ببطولات أنفسهم أو آبائهم و(يجلخون) كل كذبة أضخم من الثانية.. ورحم الله جدي مرزوق الذي كان (يفلتر) لنا كثيراً من قصص الكذب التي كانت تُروى في مضافته من بعض اللوابنة وبشكل استعراضي حين يواجه المتحدث مباشرة ويقول له أمام الجميع: هل يحق للمظرط أن ينتقد المجاهد.. أو إنت يا أبو الفصوص وين كنت تجاهد؟!

عرفنا من الأستاذ (عبيد) عن أدباء فلسطين الكبار غسان كنفاني وأبو سلمى وإبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود ويوسف الخطيب ودرويش وسميح القاسم وفدوى طوقان ومعين بسيسو وتوفيق زياد وسواهم.. كان يتلذذ وهو يلقي أشعارهم ويطلب منا أن نحفظها.. وللتاريخ كانت مناهج التعليم في سورية مليئة بأشعارهم من الصف الأول الابتدائي إلى الثالث الثانوي، وكأن من كان يضع تلك المناهج فلسطينيون أو سوريون يؤمنون بفلسطين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.. ومازلت أذكر أن مجموعة الشهيد غسان كنفاني القصصية (أرض البرتقال الحزين) كانت مقررة كاملة بقليلٍ من التصرّف في الصف الثامن تحت عنوان (حقّ لا يموت).. ولك أن تتخيل كيف أنّ كلّ طلاب سورية عربها وغير عربها من أقصى شمالها وشرقها إلى أقصى جنوبها وغربها درسوا كنفاني وفلسطين مع بداية تفتح وعيهم ومراهقتهم.. ومازلت أذكر وبعد ما يقارب خمساً وأربعين سنة قصة منصور الذي استعار بندقية خاله وشرّق إلى صفد ليقاتل الإنجليز، ولا يغيب عن ذاكرتي إعجاب الأستاذ (عبيد) بمقدرة الشهيد كنفاني على وصف جمال صفد عندما أشرف منصور على تخومها.. ذلك الإعجاب انتقل إلينا بطبيعة الحال وبقي في ذاكرتنا.

ومن الأستاذ (عبيد) عرفنا جماليات الخط العربي فقد كان يجيد كل الخطوط وخاصة الرقعة والنسخ والديواني.. وكنا نقلده بل كان يفرد حصة أسبوعية لتعليم الخط العربي.. ومنه وبسببه أصبح كثير منا يتقن تلك الخطوط وخاصة الرقعة والنسخ.. 

وأذكر من هؤلاء الأساتذة في إعدادية المالكية أيضاً أستاذ اللغة العربية (أحمد مفلح) الذي كان في نهاية كل حصة وبعد أن يفرغ من تدريس الجمل التي لها محل أو لا محل من الإعراب في الصف التاسع.. يستلّ من حقيبته الجلدية العتيقة قصيدة من قصائده التي تتحدث عن فلسطين أو الشهيد أو الفدائي ويلقيها علينا بانفعال وكأنه في ملتقى شعري أمام جمهور متذوق للشعر وصوره وموسيقاه.. ولا أنسى كيف أهدى الأستاذ (مفلح) بعضنا ديوانه الأول (قناديل طبرية الصادر سنة 1977) المليء بقصائد التمجيد للأرض والفدائي والشهيد.. واحتفظت بتلك النسخة إلى وقت طويل، وعلى الرغم من أنني حصلت فيما تلا من أيام على كتبٍ كثيرة مهداة من شعراء وروائيين وقصّاصين إلا أنني مازلت أعدّ ديوان (قناديل طبرية) أثمن هدية حصلت عليها في حياتي..(يتبع)



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى