بين ثنايا القوانين والحدود: لماذا يُحرم الصحفي الفلسطيني في لبنان من تملك وسيلته الإعلامية؟
بين ثنايا القوانين والحدود: لماذا يُحرم الصحفي الفلسطيني في لبنان من تملك وسيلته الإعلامية؟
دعاء خليفة_لبنان
موسوعة المخيمات الفلسطينية
يقف الصحفي الفلسطيني اللاجئ في لبنان على أرض صلبة من التميز المهني، لكنه يواجه جدارًا سميكًا من القيود التشريعية والقرارات الإدارية التي تمنعه من العبور نحو "الريادة الإعلامية". ففي بلد يُعتبر منبرًا تاريخيًا لحرية الصحافة والتعبير في الشرق الأوسط، يجد الإعلامي الفلسطيني نفسه محرومًا قانونيًا ليس فقط من تأسيس وتملك وسيلة إعلامية مرخصة، بل وحتى من إدارتها رسميًا.
هذا الحرمان ليس مجرد عائق اقتصادي، بل هو امتداد لبنية تشريعية معقدة تعامل الفلسطيني كـ "أجنبي" تارة، وتحرمه من حقوقه المهنية تحت غطاء "المعاملة بالمثل" تارة أخرى.
نقابات مغلقة وقوانين استبعادية
الممر الإلزامي لأي عمل صحفي أو ملكية إعلامية في لبنان يمر عبر النقابات المهنية الرسمية (نقابة الصحافة لأصحاب المؤسسات، ونقابة محرري الصحافة اللبنانية). وهنا تبدأ أولى العقبات الجوهرية:
• شرط الجنسية اللبنانية: تشترط القوانين الداخلية للنقابات المهنية اللبنانية، وقانون المطبوعات، أن يكون العضو المنتسب لبناني الجنسية منذ عشر سنوات على الأقل. هذا الشرط يسقط تلقائيًا حق أي لاجئ فلسطيني في الانتساب للنقابة.
• عقدة "المعاملة بالمثل": يعامل القانون اللبناني الصحفي الفلسطيني كأجنبي، مستندًا إلى قاعدة "المعاملة بالمثل" كشرط للحصول على رخصة عمل أو تأسيس. وبما أن فلسطين لا تملك دولة ذات سيادة تمارس هذا التبادل الدبلوماسي التقليدي، فإن هذا الشرط يتحول إلى أداة إقصاء قانوني دائم.
• شروط "المدير المسؤول": وفقًا للقوانين المرعية الإجراء، وقانون الإعلام الجديد، يُشترط في "المدير المسؤول" عن أي مطبوعة أو موقع إلكتروني أو وسيلة بث أن يكون لبنانيًا متمتعًا بحقوقه المدنية والسياسية. بالتالي، يمتنع على الفلسطيني تولي الإدارة الإدارية أو القانونية للمنبر الذي يصنعه.
القيود التاريخية لوزارة العمل
تنعكس الإجراءات التمييزية لوزارة العمل اللبنانية مباشرة على قطاع الإعلام. فمنذ القرار رقم 289/1 لعام 1982، يُحظر على الفلسطينيين العمل في عشرات المهن الحرة والمنظمة نقابيًا.
وعلى الرغم من بعض الاستثناءات والتسهيلات الاسمية التي طرأت على مر العقود لمنح الفلسطينيين "إجازات عمل"، إلا أن هذه الإجازات تظل مشلولة في قطاع الصحافة؛ لأن مزاولة المهنة وتأسيسها يتطلبان موافقة النقابة المعنية أولاً، وهي النقابات التي توصد أبوابها تمامًا أمام غير اللبنانيين.
الالتفاف على الواقع: "إعلام الوجوه المستعارة"
أمام هذا الانسداد القانوني، يجد الصحفيون الفلسطينيون أنفسهم مضطرين لابتكار حلول بديلة ومكلفة ماديًا ونفسيًا للاستمرار في نقل روايتهم وإيصال أصوات مخيماتهم:
• الترخيص بأسماء مستعارة: يضطر الصحفي الفلسطيني الراغب في إطلاق موقع إخباري أو منصة إعلامية إلى تسجيل الترخيص باسم مواطن لبناني (كواجهة قانونية). هذا الأمر يضع مشروع العمر تحت رحمة العلاقات الشخصية، ويسلب الصحفي الفلسطيني حقوقه الفكرية والمالية في مؤسسته في حال حدوث أي خلاف قانوني.
• العمل في الظل الرقمي: تلجأ الكثير من المبادرات الإعلامية والشبابية داخل المخيمات إلى تشغيل منصاتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي كصفحات عامة (دون رخص رسمية)، مما يضعها دائمًا تحت طائلة الملاحقة القانونية أو الإغلاق بتهمة "مزاولة مهنة بلا ترخيص" أو العمل غير الشرعي.
• غياب الحماية المهنية والاجتماعية: يترتب على هذا الواقع حرمان الصحفي الفلسطيني من أي تغطية صحية أو نقابية، وعجزه عن الاستفادة من تقديمات صندوق الضمان الاجتماعي (رغم اقتطاع الرسوم من راتبه إن وُجد عقد رسمي)، مما يجعله مكشوفًا مهنيًا أمام أي طرد تعسفي أو خطر ميداني.
"أن تكتب الحقيقة بدمك في الميدان، ثم تُجبر على تسجيل اسمك على هامش المنبر الذي بنيته بجهدك.. تلك هي قمة التغريب المهني الذي يعيشه الصحفي الفلسطيني في لبنان."
الرواية الفلسطينية بحاجة إلى سيادة
حقيقية
إن حرمان الصحفي الفلسطيني في لبنان من حقه الطبيعي في تملك وإدارة وسائله الإعلامية لا يضر بالصحفي كفرد فحسب، بل يساهم في تغييب الرواية الحقيقية وتفاصيل الحياة اليومية والاجتماعية المعقدة داخل المخيمات والتجمعات الفلسطينية. إن معالجة هذا الخلل التشريعي، واستثناء اللاجئ الفلسطيني المولود والمقيم في لبنان من شروط الجنسية والمقابلة بالمثل الخاصة بالعمل الصحفي، هو ضرورة إنسانية ومهنية ملحة تضمن الحفاظ على حرية الكلمة وحق أصحاب القضية في تملك أدوات التعبير عن أنفسهم.
تصدير المحتوى ك PDF
إضافة محتوى
https://mokhayyam.com/article/983