من أعماق الغربة: فلسطين في مرآة الوجود والأمل"

من أعماق الغربة: فلسطين في مرآة الوجود والأمل"

من أعماق الغربة: فلسطين في مرآة الوجود والأمل"

من أعماق الغربة: فلسطين في مرآة الوجود والأمل"

حمزة محمود مشلوط_سوريا

الوطن ليس مكانًا نعيش فيه، بل هو المكان الذي يعيش فينا"، كما يقول الحكيم. هكذا ظلَّ فلسطينيون في مخيمات الشتات، يحملون في صدورهم "خريطة من وجع" كما يصف الشعراء حنينهم، ويُربُّون أبناءهم على ذاكرة حجارة منازلهم، إيماناً بأن "الأرض تُسترجع بالدم لا بالوقت"، على ما قال أحد المفكرين.

إن معاناة التشرد والاغتراب الوجودي، التي عبر عنها الفيلسوف إلياس مرقص بقوله: "الاغتراب هو أن تكون في غير مكانك"، تجسدت في أقسى صورها عند أهلنا في المخيمات، حيث صار المكان غربةً والزمن انتظاراً. لقد قاسى الكثيرون "موتاً في الحياة" كما وصف أبو الطيب المتنبي أشواق الغرباء، ومنهم من قتله الحنين، مصداقاً لقول ابن سينا: "النفس مشتاقة إلى موطنها الأول اشتياقاً وجودياً". 

وفي مخيم خان دنون، كرمز لكل المخيمات، تحول الألم إلى فعل، والانتظار إلى صيرورة مقاومة. فكما كتب أنطونيو غرامشي: "التشاؤم للإرادة، والتفاؤل للعقل"، كان المخيم يترقب أخبار غزة بقلب ينبض بين فرحٍ يتطلع إلى النصر، وحزنٍ على الشهداء، لكن بإرادة لا تلين.

لقد أصبح الملتقى الثقافي في المخيم فضاءً للوعي، يستحضر مقولة جان بول سارتر: "الالتزام هو مشاركة الإنسان في عصره". فاستضافة المحللين وتأييد قيم المقاومة لم تكن حدثاً عابراً، بل كانت "إعادة تشكيل للوعي الجمعي" كما يرى مالك بن نبي، وترجمة عملية لقول فرانز فانون: "لكي تثبت وجودك، يجب أن تشارك في صنع العالم".

خطب الجمعة للشيخ كامل أحمد، بفرحها وبكائها، لم تكن مجرد وعظ، بل كانت "لاهوت تحرير" عملياً، يذكرنا بما كتبه باولو فريري عن "تربية المضطهدين". لقد جعل من المنبر مدرسةً لإحياء معنى "الجهاد" كمقاومة للظلم، مستحضراً قوله تعالى في القرآن الكريم: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران: 169). وهو نفس المعنى الذي يتردد في الإنجيل: "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، فَإِنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ" (متى 5:9)، حيث السلام الحقيقي القائم على العدل.

المسيرات والمواقف التي خرجت من المخيم كانت هي الجواب العملي على السؤال الفلسفي الكبير: كيف نواجه العدم؟ لقد اختاروا، كما قال ألبير كامو، أن يكونوا "متمردين" يرفضون القبول بالوضع القائم، متمسكين بحقهم في الوجود والتحرير، مصداقاً لقول الشاعر محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".

لقد أدرك مخيم خان دنون، كما أدركت فلسطين كلها، أن المقاومة هي الخيار الوحيد للتحرير، لا كشعار سياسي فحسب، بل كضرورة وجودية لإثبات الذات واسترداد الإنسان لإنسانيته المغتصبة. إنها رحلة العودة من "المنفى" إلى "البيت"، من التشظي إلى الكمال، من ألم الذاكرة إلى غرسة الأمل. وهي رحلة، وإن طالت، فإن نهايتها محتومة، لأن "الشعوب التي لا تموت لا تُهزم"، وكما كتب غسان كنفاني: "إنهم يموتون، ولكنهم لا يقتلون". لأن الفكرة، عندما تتحول إلى إيمان جماعي، تصير قدراً لا مرد له...



تصدير المحتوى ك PDF

إضافة محتوى