فصول من سيرة مخيم اليرموك (23)
فصول من سيرة مخيم اليرموك (23)
فيصل درّاج (3)
كان د.فيصل درّاج معلّماً ومنظّراً وناقداً روائياً فاعلاً ومؤثراً في عدد كبير من النقّاد والروائيين العرب والفلسطينيين.. مجتهداً إلى أبعد درجات الاجتهاد قليل الكلام في الأمور الخاصة أو العامة.. قارئاً وحافظاً يحفظ ويعيد إنتاج ما يحفظ بطريقته وإضافاته الذكية واللمّاحة.. صاحب ذاكرة عجيبة يحفظ مقاطع مطولة من نصوص كنفاني وإميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا وسحر خليفة وغيرهم. وكنا نعجب ونحن نستمع إلى محاضراته وهو يحلل النصوص الروائية كيف يجمع إلى لغته الأنيقة الرصينة حديثه دون أوراق، ونقول كيف يقدر على هذا التنظيم الفكري واللغوي فيما يقول، بخلاف آخرين يقرؤون من أوراق مُعدّة سلفاً وسرعان ما نكتشف فوضى الخارطة الفكرية فيما يقدمون إضافة إلى سيف الملل الذي لا يقطع وقت المتلقين وهم يستمعون لما يقرأ... لقد تعلمت من د.درّاج الكثير والمثير لذلك كنت حريصاً جداً على لقائه والإفادة من علمه وأذكر أني سعيت حثيثاً كي يقرأ لي وأنا أعد أطروحة الدكتوراه في آداب دمشق عن نقد الرواية الفلسطينية (نقد النقد)، وحين زرتُه في بيته (للعلم كان بيته لا يبعد عن بيتنا أكثر من خمسين متراً، ولم أكن أدري كم كنت محظوظاً وأنا أتوسط مثلثاً مكانياً صغيراً؛ فللشرق من بيتنا وسط شارع صفد يقع بيت يوسف سامي اليوسف في الجادة 10 أو 11 من شارع الجاعونة، وللشمال بيت د.فيصل درّاج في الجادة 4 أو 5 من شارع صفد، وللشمال الغربي بيت د.محمود موعد في شارع صفورية خلف مسجد عبد القادر الحسيني). طلبتُ من د.درّاج أن يقرأ لي شيئاً مما كتبت فلم يعتذر على الرغم من انشغالاته الكثيرة، بل رحّب بذلك وبعد أقل من أسبوع طلب لقائي وقد أنجز قراءة أكثر من مئة صفحة من بحثي وقدّم لي ملاحظات وتعليقات كثيرة وخاصة فيما يتعلق بتعميق الجانب الفكري في البحث؛ لأنه كان يولي الأساس الفكري قدراً يوازي أو يزيد على الجانب الشكلاني، ولا أبالغ إن قلت بأن ملاحظاته وتعليقاته كانت أهم وأدق من كلّ ملاحظات الأستاذة المشرفة على أطروحتي وكذلك ملاحظات الأساتذة أعضاء لجنة المناقشة الذين ناقشوا رسالتي فيما بعد، وكانت ملاحظاتهم سطحية غير ذات قيمة وازنة مع احترامي لهم.. وما زلت أذكر ما قاله لي في آخر لقاء بينه وبيني أواخر التسعينيات: أنا جاهز دائماً لأقرأ لك ولسواك وبابي مفتوح بهذا الخصوص، أما إن جئت تحدثني عن الأشخاص والكتّاب والشؤون العامة فوقتي لا يسمح حتى بتقديم فنجان قهوة لك... نعم تعلمتُ من الدكتور فيصل درّاج الجدية وقيمة الوقت وعمق التحليل وأصالة الانتماء...(يتبع)
تصدير المحتوى ك PDF